الملك عبدالله الثاني في نيويورك : كلمة الأردن التي خرجت من قلب الوطن إلى ضمير العالم :


رم - الدكتور نسيم أبو خضير
لم يكن المشهد في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ، اليوم ، مشهداً عادياً ، ولم تكن لحظة دخول جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى القاعة مجرد لحظة بروتوكولية عابرة ، فقد إستُقبل جلالته بالتصفيق والوقوف ، كما تكرر التصفيق خلال خطابه ، في مشهد يبعث في نفوس الأردنيين شعوراً عميقاً بالفخر والإعتزاز بقيادتهم الهاشمية ، وبملكٍ يحمل صوت الأردن إلى العالم بثباتٍ ووضوح .
لقد وقف جلالة الملك أمام العالم ، وفي حضوره سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ، حاملاً قضية وطنه وأمته ، ومتحدثاً بلغة الدولة التي تعرف ماذا تريد ، وتعرف أين تقف ، وتعرف أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على الظلم ، ولا على تجاهل حقوق الشعوب ، ولا على إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية .
كان الأردن حاضراً في كل كلمة
ما قاله جلالة الملك في نيويورك لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي ، بل كان تعبيراً عن وجدان أردني راسخ ، وعن ثوابت وطنية يعرفها الأردنيون ويحملونها في قلوبهم .
فعندما تحدث جلالته عن فلسطين ، وغزة ، والضفة الغربية ، والقدس ، وحق الشعب الفلسطيني ، وعن ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته ، شعر الأردنيون أن الكلمات التي تخرج من منبر الأمم المتحدة هي ذاتها الكلمات التي تسكن وجدانهم ، وأن الملك لا يتحدث بعيداً عن شعبه ، وإنما يتحدث باسم وطنٍ يعرف فلسطين ، ويعرف القدس ، ويعرف معنى أن تكون القضية قضية حق وعدالة وكرامة .
لقد حذّر جلالة الملك من أن المجتمع الدولي إختار لسنوات إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من معالجة جذوره ، وأن ما كان يُنظر إليه بإعتباره أمراً مؤقتاً أصبح واقعاً دائماً وسياسات مفروضة على الأرض ، مؤكداً إستمرار الأردن في دعم صمود الفلسطينيين ، ودعم الأونروا ، والحفاظ على الوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس .
وهنا نقولها بكل فخر :
نعم ، نحن فخورون بكل كلمة قالها جلالة الملك .
فهي ليست كلمات ملكٍ فحسب ، وإنما كلمات وطن .
وعندما وصل الحديث إلى الأردن … تغيرت دلالة الخطاب
كان أكثر ما يبعث على الإعتزاز أن جلالة الملك لم يتحدث عن الإقليم وكأن الأردن مجرد مراقب لما يجري حوله ، بل وضع الأمن الوطني الأردني في مكانه الطبيعي .
كان جلالته واضحاً في الحديث عن الحدود الشمالية ، وعن التطورات في جنوب سوريا ، وعن التوغلات والتوسع الجغرافي وفرض الوقائع الجديدة على الأرض ، مؤكداً بوضوح لا يحتمل التأويل أن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن ، أو لأمنه المائي ، هو تهديد للأمن الوطني الأردني ، وأن الأردن لن ينظر بعيداً ، بل سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه .
وهذه ليست لغة تهديد ، وإنما لغة دولة تعرف مسؤوليتها .
الأردن لا يبحث عن الحرب ، ولا يسعى إلى التصعيد ، ولا يريد سوى الأمن والإستقرار والسلام ، لكنه في الوقت ذاته يعرف أن حماية الوطن ليست خياراً ، وأن أمن الحدود ليس مجالاً للمجاملة ، وأن أمن الأردن المائي والغذائي والوطني لا يمكن أن يكون رهينة لأطماع الآخرين .
من أجمل ما في الخطاب الملكي أن جلالة الملك لم يحتج إلى الصراخ حتى يُسمع ، ولم يحتج إلى المبالغة حتى تصل رسالته .
كان هدوؤه قوة ، وكان وضوحه هيبة ، وكانت كلماته أثقل من كثير من الضجيج .
وهذه هي مدرسة الهاشميين في القيادة ، أن تكون الكلمة محسوبة ، والموقف ثابتاً ، والرسالة واضحة ، والهدف حماية الوطن والدفاع عن الحق والسلام .
وقد وضع جلالة الملك أمام العالم فكرة بالغة الأهمية : أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تقدم حلولاً حقيقية ، فهي لا تطعم الجائع ، ولا تعيد المهجّرين ، ولا تبني السلام ، ولا تصلح ما أفسدته الحروب ، وأن العالم يحتاج إلى مؤسسات تحظى بالشرعية والثقة ، وإلى إحترام الإتفاقيات والقواعد التي تقوم عليها العلاقات بين الدول .
نحن في الأردن لا نملك نفطاً كثيراً … لكننا نملك قيادة عظيمة
قد لا يكون الأردن الدولة الأكبر مساحةً أو الأكثر ثراءً بالموارد ، لكنه يملك ما هو أعظم من ذلك :
يملك قيادة هاشمية تعرف قيمة الأردن ، وتحمي حدوده ، وتصون إستقلاله ، وتحمل رسالته ، وتضع مصلحة شعبه فوق كل إعتبار.
هذه القيادة هي مصدر فخرنا وعزنا ، وهي عنوان ثباتنا في منطقة تتغير فيها التحالفات ، وتتبدل فيها المواقف ، وتشتعل فيها الحروب .
وكما أن السفينة في البحر الهائج تحتاج إلى ربان يعرف إتجاهها ، فإن الأردن في هذه المنطقة المضطربة يحتاج إلى قيادة تعرف كيف تحافظ على توازن الوطن ، وكيف تعبر به بين الأمواج دون أن تفقد البوصلة .
إن مشهد الوقوف والتصفيق لجلالة الملك عند دخوله قاعة الجمعية العامة ، ثم التفاعل مع كلماته أثناء الخطاب ، سيبقى بالنسبة للأردنيين مشهداً يبعث على الإعتزاز ، ليس لأننا نبحث عن تصفيق الآخرين ، وإنما لأننا نرى فيه صورة للإحترام الذي يحظى به الأردن وقيادته في محفل دولي بالغ الأهمية .
ونقولها للعالم كله ، لم نقف نحن مع الملك لأن العالم صفق له ، بل صفق العالم للملك لأننا نحن الأردنيين نعرف لماذا نقف معه .
نقف معه لأنه يحمل قضية وطننا ، ويدافع عن أمنه ، ويتحدث عن فلسطين والقدس ، ويتمسك بالقانون الدولي ، ويدعو إلى السلام العادل ، ويرفض أن تتحول الفوضى الإقليمية إلى قدر دائم لشعوب المنطقة .
جلالة الملك تحدث في نيويورك عن عالمٍ أصبح إنتباهه مشتتاً أمام كثرة الأزمات ، وحذر من أن ما يتجاهله العالم اليوم قد يصنع مستقبل الغد ، مؤكداً أن الظلم يحتاج إلى إهتمام فوري ومستمر ، وأن المبادئ لا ينبغي أن تتغير بحسب مستوى اهتمام العالم بالأزمات .
أما نحن فنقول :
الأردن لم يتغير .
ثوابته لم تتغير .
موقفه من فلسطين لم يتغير .
موقفه من القدس لم يتغير . تمسكه بالقانون الدولي لم يتغير .
حرصه على أمنه وحدوده لم يتغير .
وإيمانه بالسلام العادل لم يتغير .
لأن الدول العريقة لا تغير مبادئها كلما تغيرت الظروف ، والقيادات التأريخية لا تقيس مواقفها بحجم التصفيق ، وإنما بميزان الحق والمصلحة الوطنية .
من حق الأردنيين اليوم أن يقولوا لجلالة الملك عبدالله الثاني طيب الله أنفاسك :
لقد قلت ما في قلوبنا .
قلت إن فلسطين ليست قضية يمكن نسيانها .
قلت إن القدس ليست تفصيلاً في تاريخ المنطقة .
قلت إن حقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم .
قلت إن الأردن يحمي حدوده وأمنه ومياهه .
قلت إن السلام لا يعني الضعف .
وقلت إن الإعتدال الأردني ليس تراجعاً عن الحقوق .
ولهذا فإننا ، ونحن نتابع خطاب جلالتكم ، نشعر أن بين نيويورك وعمّان جسراً من المحبة والإنتماء ، وأن الكلمات التي خرجت من منبر الأمم المتحدة قد عادت إلى بيوت الأردنيين وهي تحمل معها شعوراً واحداً :
الفخر بالأردن ، والإعتزاز بالقيادة الهاشمية ، والثقة بأن لهذا الوطن قائداً يعرف طريقه مهما إشتدت العواصف .
حفظ الله الأردن ، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، وحفظ سمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والإستقرار ، وأبقى رايته الهاشمية خفاقةً في سماء المجد .
فإذا كان العالم قد وقف إحتراماً للملك في نيويورك ، فإن الأردن كله يقف اليوم اعتزازاً بملكه .
نعم ، نحن فخورون بعبدالله الثاني … لأننا نرى في مواقفه صورة الأردن ، وفي ثباته ثبات الوطن ، وفي صوته صوت شعبٍ آمن بأن الهاشميين كانوا وسيبقون عنواناً للعزة والكرامة والوفاء .
أرواحنا فدى الأردن ... نحن معك وبك ماضون .



عدد المشاهدات : (3751)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :