بقلم: الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
غداً، الخميس 27 آب 2026، تفتح جامعة اليرموك واحداً من أكثر الملفات ارتباطاً بمستقبل شباب الأردن واقتصاده، باستضافتها المؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي تحت شعار «على خطى الحسين». مؤتمر نريده مساحة وطنية للحوار والعمل، تنطلق من سؤال مباشر: كيف نبني تعليماً نوعياً يمنح الطالب المعرفة والمهارة والخبرة التي يحتاجها ليصنع مستقبله ويسهم في ازدهار وطنه؟ واختيار شعار «على خطى الحسين» لم يأتِ بوصفه عنواناً للمناسبة، بل تعبيراً عن نهج يستلهم رؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في تمكين الشباب، والاهتمام بالتعليم التقني والمهني، وربط التعليم بالمهارات والتكنولوجيا والعمل والإنتاج.
فالمستقبل الذي نريده لشبابنا يحتاج إلى تعليم يقرأ التحولات قبل وقوعها، ويعد الطالب لوظائف تتغير بسرعة، ويمنحه القدرة على التعلم والتكيف والمبادرة. لقد تغيرت معادلة التعليم. لم يعد السؤال كم ساعة درس الطالب، أو كم مساقاً اجتاز، بل ماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟ هل يستطيع حل مشكلة حقيقية؟ هل يمتلك مهارة تقنية يمكن قياسها؟ هل يستطيع استخدام التكنولوجيا والعمل ضمن فريق والتكيف مع بيئة مهنية متغيرة؟ وهل يمكن أن تتحول معرفته إلى منتج أو خدمة أو مشروع أو فرصة عمل؟ ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر ونوعية المشاركين فيه.
ففي رحاب اليرموك تجتمع فسيفساء وطنية تضم صناع قرار ورؤساء جامعات وأكاديميين وخبراء، وممثلين عن هيئات الاعتماد وضمان الجودة، ومؤسسات التدريب والتشغيل، وقطاعات الصناعة والتجارة والسياحة والأعمال، إلى جانب شركاء وخبرات دولية. وهذا التنوع يعكس حقيقة أساسية مفادها أن إصلاح التعليم التقني والتطبيقي مسؤولية مشتركة، فلا تستطيع الجامعة أن تصمم تعليم المستقبل بعيداً عن سوق العمل، ولا يستطيع صاحب العمل أن ينتظر خريجاً بمواصفات لم يشارك في تحديدها.
وسيناقش المؤتمر العلاقة بين التعليم والاقتصاد، والنماذج الوطنية والدولية في التعليم التقني والتطبيقي، وجودة البرامج وأطر المؤهلات، والتدريب القائم على العمل، والشراكة مع القطاع الخاص، والانتقال من التعليم إلى التشغيل. لكن القيمة الحقيقية لهذه النقاشات ستبدأ بعد انتهاء المؤتمر، لأننا لا نريد توصيات تحفظ في الأدراج، بل خارطة طريق عملية للاثني عشر شهراً القادمة، بأولويات محددة ومسؤوليات واضحة ومؤشرات يمكن متابعتها وقياسها.
وفي قلب هذه الخارطة يجب أن يبقى الطالب. فكل برنامج أو نظام اعتماد أو شراكة أو تدريب ينبغي أن يخضع لسؤال واحد: ماذا أضاف إلى قدرات الطالب وفرصه؟ النجاح الحقيقي هو أن نرى خريجاً يعرف ويطبق وينتج ويبتكر، ويمتلك الثقة والمهارة للدخول إلى سوق العمل أو صناعة فرصته بنفسه. إن هذا الحضور الوطني الواسع للمؤتمر يحمل رسالة مهمة بأن التعليم التقني والتطبيقي لم يعد ملفاً أكاديمياً متخصصاً، بل قضية وطنية تتصل بالتشغيل والإنتاج والتنافسية ومستقبل الاقتصاد.
وشباب الأردن، الذين يشكلون عصب قوته، يستحقون منا أن نعيد التفكير في التعليم من زاوية مستقبلهم، لا من زاوية ما اعتدنا تقديمه. غداً نلتقي في جامعة اليرموك، لكن أعيننا ستكون على ما بعد الغد: طالب يمتلك مهارة، وخريج يمتلك فرصة، وقطاع إنتاج يجد الكفاءة التي يحتاجها، وتعليم يستبق المستقبل بدلاً من أن يلاحقه. وهذا هو المعنى الذي نريده لـ «على خطى الحسين»: أن نستثمر في الإنسان الأردني، ونمنحه الأدوات التي تمكنه من أن يصنع مستقبله، ويسهم بعلمه ومهارته وعمله في صناعة أردن أكثر إنتاجاً وازدهاراً.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |