رم - د. جمال الدباس
رئيس جمعية اطباء القلب الاردنية
قد تنجح الادوية في السيطرة على المرض لسنوات، لكن بعض الاعضاء تصل في النهاية الى مرحلة يعجز فيها العلاج عن اعادة وظيفتها. عندها تتغير الفكرة من محاولة علاج العضو المتعب الى البحث عن عضو سليم يعيد للجسم ما فقده… وهنا تبدأ قصة زراعة الاعضاء، واحدة من اعظم انجازات الطب الحديث واكثرها انسانية.
والامثلة من حولنا كثيرة: مريض اتعب المرض قلبه حتى لم يعد قادرا على ضخ الدم بكفاءة، وآخر فقد كبده قدرته على العمل، وثالث ارتبطت حياته لسنوات بغسيل الكلى ثلاث مرات اسبوعيا ولساعات في كل جلسة، ورابع اصبح كل نفس بالنسبة اليه جهدا بسبب فشل رئتيه.
ومع تقدم المرض تستمر الادوية، وتتكرر المراجعات والدخول الى المستشفيات، وقد يحتاج المريض الى العناية الحثيثة والاجهزة والعلاجات المكلفة. وتتزايد المعاناة والكلفة على المريض واسرته والنظام الصحي، بينما تبقى المشكلة في اصلها واحدة: عضو اتلفه المرض ولم يعد قادرا على القيام بوظيفته.
وهنا تظهر عبقرية الفكرة في بساطتها: ان يحل عضو سليم محل عضو لم يعد قابلا للعلاج.
وللتقريب الى ذهن القارئ، تشبه الفكرة استبدال جزء تالف بآخر سليم، لكن الانسان ليس آلة، والعضو المتبرع به ليس مجرد “قطعة غيار”. فالقلب او الكبد او الكلية السليمة هي هدية حياة؛ عضو كان يعمل في جسد انسان، ويمكن بعد رحيله ان يستمر في جسد انسان آخر، ويمنحه ما عجزت الادوية والاجهزة عن منحه: فرصة جديدة للحياة.
ولهذا لا تعد زراعة الاعضاء ترفا طبيا متقدما. ففي حالات الفشل العضوي النهائي قد تكون العلاج الذي ينقذ الحياة، وفي الوقت نفسه قد تكون اكثر جدوى اقتصاديا على المدى البعيد من سنوات العلاج المزمن والدخول المتكرر الى المستشفيات والاجراءات والادوية المكلفة. ولعل الفشل الكلوي هو المثال الاقرب للناس؛ فبدلا من سنوات من غسيل الكلى المتكرر، يمكن لزراعة ناجحة ان تغير حياة المريض بالكامل. والمبدأ نفسه، مع اختلاف التفاصيل الطبية، ينطبق على الفشل النهائي للقلب والكبد والرئتين.
واللافت ان الاردن عرف هذا الطريق مبكرا، ولم يبدأ من الصفر؛ فقد راكم منذ عقود خبرة مهمة في زراعة الكلى والكبد والقلب، وكان سباقا على مستوى المنطقة في زراعة القلب.
ففي عام 1985 دخل الاردن تاريخ الطب الاقليمي باجراء اول عملية زراعة قلب ناجحة في المنطقة، وتوالت العمليات بعد ذلك حتى اجريت قرابة 20 عملية خلال السنوات التالية وحتى عام 1998. ثم تراجع النشاط تدريجيا وكاد البرنامج يتوقف، قبل ان تجرى عملية زراعة قلب ناجحة اخرى عام 2019.
وهذه العملية، بعد سنوات طويلة من شبه التوقف، حملت رسالة مهمة: كان هناك متبرع، وكان هناك مريض يحتاج الى القلب، وكانت هناك كفاءات طبية وجراحية قادرة على اجراء الزراعة بنجاح.
اي ان الاساس لم يختف. الكفاءات موجودة، وامكانية التبرع موجودة، والمرضى الذين يحتاجون الى الزراعة موجودون. ولذلك لم يعد السؤال: هل يستطيع الاردن؟ فقد اثبت منذ عقود انه يستطيع. السؤال الحقيقي هو: لماذا لم يتحول هذا النجاح المبكر الى برنامج وطني مستدام؟
وهنا نصل الى جوهر القضية: زراعة القلب لا يصنعها جراح ماهر او مستشفى متقدم وحدهما، بل ارادة مؤسسية ومنظومة دولة كاملة.
فالعملية التي يراها الناس داخل غرفة الجراحة ليست سوى الحلقة الاخيرة في سلسلة طويلة تبدأ بالتعرف على المتبرع المحتمل، واثبات الوفاة الدماغية، والتواصل مع اسرته، ثم اختيار المريض المناسب، ونقل العضو خلال وقت قصير، واجراء الزراعة، وصولا الى المتابعة التي تستمر سنوات. وبين البداية والنهاية نحتاج الى تشريعات واضحة، وتنسيق بين المؤسسات، ومنسقين مدربين، ونظام احالة وطني، وسجل للمتبرعين والمتلقين، ومراكز مؤهلة بمعايير واضحة، ومؤشرات تقيس الاداء والنتائج.
لقد كانت الارادة التي اطلقت التجربة الاردنية موجودة قبل اكثر من اربعة عقود، واستمر البرنامج سنوات قبل ان يفقد زخمه تدريجيا. وهنا درس لا ينبغي ان نغفله: المشروع الذي يعتمد على الاشخاص قد يخفت بابتعادهم، اما المشروع الذي يتحول الى مؤسسة وتشريع وبروتوكول وسجل وطني فانه يستمر عبر الاجيال.
لكن بناء هذه المنظومة يبدأ ايضا من الوعي. فما زال البعض يعتقد ان الوفاة الدماغية نوع من الغيبوبة، بينما الفارق بينهما جوهري. فالغيبوبة حالة مرضية قد يتحسن منها بعض المرضى، اما الوفاة الدماغية فهي توقف نهائي وغير قابل للعودة لوظائف الدماغ، يثبت وفق معايير طبية وقانونية دقيقة، ومن خلال اطباء مستقلين عن فريق زراعة الاعضاء.
وقد يستمر القلب بالنبض مؤقتا لان اجهزة الانعاش تحافظ على التنفس والدورة الدموية، وهذا ما يسبب الالتباس لدى الاسرة؛ لكنها لا تعني ان المريض يمكن ان يعود الى الحياة. وفي هذه الفترة المحدودة تبقى بعض الاعضاء مروية بالدم وصالحة للتبرع، فتتحول الساعات الى عامل حاسم في انقاذ حياة انسان آخر.
وهنا تظهر واحدة من اكثر المفارقات الانسانية تأثيرا: قد تنتهي حياة انسان، بينما تبقى في جسده اعضاء سليمة قادرة على منح الحياة لآخرين.
ومن القصص التي تختصر معنى الوعي في تجربتنا الاردنية قصة شابة توفيت دماغيا اثر حادث سير، فوافق والدها، وهو طبيب، على التبرع باعضائها. كان ابا يعيش واحدة من اقسى لحظات حياته، لكنه كان يدرك ان الوفاة الدماغية وفاة نهائية، وان اعضاء سليمة في جسد ابنته يمكن ان تنقذ مرضى آخرين.
ذلك القرار لم يكن مجرد موافقة على التبرع؛ كان تعبيرا عن وعي طبي وثقافي، وثقة، وفهم لمعنى الوفاة الدماغية، وقناعة انسانية ودينية بان نهاية حياة يمكن ان تمنح بداية لحياة اخرى.
وهذا يقودنا الى سؤال مهم: اذا كنا نريد تغيير وعي المجتمع، فلماذا لا نبدأ من الطبيب نفسه؟
بحكم عملي في التعليم الجامعي، ارى ان طالب الطب قد يتخرج من دون ان يتلقى تعليما منظما وكافيا حول الوفاة الدماغية، واخلاقيات التبرع، وكيفية التعرف على المتبرع المحتمل، والتواصل مع اسرته، واليات عمل برامج زراعة الاعضاء. وهذا الملف لا يجوز ان يبقى حكرا على جراح الزراعة؛ فطبيب الطوارئ او العناية الحثيثة او الاعصاب او الباطنية او القلب قد يكون اول من يواجه حالة يمكن ان تنقذ عدة مرضى.
التبرع بالاعضاء يبدأ بالمعرفة قبل ان يبدأ بالموافقة.
وكما نحتاج الى وعي طبي ومجتمعي، نحتاج الى وضوح ديني يطمئن الناس. فالتبرع بالاعضاء في مجتمعنا لا يمكن فصله عن القناعة الدينية، وهناك اجتهادات وفتاوى تجيز التبرع ضمن ضوابط طبية وشرعية. لكن الاسرة التي فقدت ابنا او ابنة لا ينبغي ان تواجه، في اصعب ساعات حياتها، رسائل متناقضة او اسئلة لم يسبق ان وجدت لها جوابا. المطلوب حوار مؤسسي مستمر بين الطب والجهات الشرعية والقيادات الدينية، ورسالة واضحة يفهمها المجتمع ويثق بها.
ومن هذه القناعة، بادرت جمعية اطباء القلب الاردنية في مؤتمرها الوطني في 16 تشرين الاول 2025 الى اعادة فتح ملف قصور القلب المتقدم وزراعة القلب، ليس احتفاء بتاريخ مضى، بل سعيا لتحويله الى مشروع وطني حديث.
والرؤية التي نعمل عليها لا تبدأ وتنتهي بعملية الزراعة، بل تبني المسار كاملا: التعامل المنظم مع الوفاة الدماغية، ونظام الاحالة، ثم سجل وطني لزراعة القلب يتابع رحلة المتبرع والمتلقي منذ البداية، مرورا بالتوافق ونقل القلب والجراحة، وصولا الى المتابعة طويلة الامد والنتائج. فالهدف من السجل ليس جمع الارقام، بل معرفة ماذا نفعل، وما نتائجنا، واين يمكن ان نتحسن.
كما تشمل الرؤية وضع معايير وطنية لمراكز تميز قصور القلب وزراعة القلب، بحيث يتدرج المريض من الرعاية والعلاج الدوائي المتخصص الى الاجهزة والدعم الميكانيكي، وصولا الى المراكز الشاملة القادرة على تقديم LVAD وECMO وزراعة القلب ضمن فريق متعدد التخصصات ونظام احالة وطني موحد.
والاهم ان المشروع بدأ ينتقل من الرؤية الى العمل، من خلال شراكة مع رابطة الاطباء الاردنيين في امريكا JAPA، التي قدمت منحة بقيمة 50 الف دولار لتمويل التعاقد مع شركة استشارية عالمية لاعداد دراسة الجدوى والخطة التنفيذية لاعادة تفعيل برنامج زراعة القلب في الاردن.
وهذا هو الفارق بين امنية ومشروع: ان ننتقل من قول “نريد اعادة زراعة القلب” الى الاجابة عن الاسئلة الصعبة والعملية: من هم المرضى المرشحون؟ اين تجرى العمليات؟ ما المعايير المطلوبة للمراكز؟ كيف نكتشف المتبرعين؟ كيف تنقل الاعضاء؟ كيف يمول البرنامج؟ وكيف نقيس نتائجه ونضمن استمراره؟
وفي الوقت نفسه، لا يمكننا اعادة بناء برنامج المستقبل بتقنيات الماضي وحدها. فقد اعتمدت زراعة القلب تقليديا على التبرع بعد الوفاة الدماغية DBD، بينما يتوسع العالم اليوم في التبرع بعد توقف الدورة الدموية DCD، مستفيدا من تقنيات حديثة مثل Organ Care System (OCS) التي تساعد على حفظ القلب مروى خارج الجسم، وNormothermic Regional Perfusion (NRP).
ولا تكمن اهمية هذه المصطلحات في التقنية ذاتها، بل في ما يمكن ان تحققه: زيادة عدد القلوب المتاحة للزراعة، وبالتالي تقليل عدد المرضى الذين قد يفقدون حياتهم وهم ينتظرون. وقد اظهرت بيانات حديثة عام 2026 نتائج بعيدة المدى متقاربة بين زراعة القلب باستخدام DCD وDBD، مع بقاء لعشر سنوات بنحو 67% مقابل 64%. ومعظم برامج المنطقة ما تزال تعتمد بصورة رئيسية على الوفاة الدماغية، لكن علينا ان نراقب هذا التطور ونستعد له طبيا وتنظيميا وشرعيا.
وفي نهاية كل هذه التشريعات والتقنيات والسجلات، تبقى الحقيقة الانسانية هي الابسط والاكثر تأثيرا: متبرع واحد يمكن ان ينقذ حياة ما يصل الى ثمانية اشخاص من خلال التبرع باعضاء متعددة، فيما يمكن للقرنيات والانسجة والصمامات والعظام وغيرها ان تحسن حياة آخرين كثيرين.
تخيلوا المعنى: انسان رحل، لكن قلبه يواصل النبض في صدر انسان آخر، وكليتاه تحرران مريضين من سنوات الغسيل، وكبده يمنح مريضا فرصة جديدة، وقرنيتاه قد تعيدان النور الى عينين.
قليل من القرارات الانسانية يترك بعد الرحيل اثرا بهذا الحجم.
ولهذا لا يحتاج الاردن اليوم الى عملية زراعة ناجحة اخرى فحسب. نحتاج الى منظومة تجعل النجاح قابلا للتكرار كلما وجد المتبرع المناسب والمريض المناسب.
منظومة تجمع وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والجامعات والمستشفيات والقطاع الخاص والجهات التشريعية والدينية والاعلامية، وتوحد الجهود ضمن مشروع وطني مستدام، تقاس فيه اعداد المتبرعين وعمليات الزراعة والنتائج ونسب البقاء وجودة الرعاية، ويخضع باستمرار للمراجعة والتحسين.
لقد اثبت الاردن قبل اكثر من اربعين عاما ان لديه العلم والكفاءة والشجاعة الطبية لزراعة القلب. وما تزال الكفاءات موجودة، وما تزال امكانية التبرع قائمة، والحاجة اليوم ربما اكبر من اي وقت مضى.
زراعة الاعضاء ليست قصة موت، بل قصة حياة يمكن ان تبدأ عندما تنتهي حياة اخرى.
وحين تثبت الوفاة الدماغية بصورة قاطعة، قد يكون قلب سليم او كبد او كليتان لم تعد لصاحبها عودة للحياة، هي في الطرف الآخر الفرصة الوحيدة لمريض ما زال ينتظرها.
ولهذا يجب ان تخرج زراعة الاعضاء من دائرة المبادرات والنجاحات الفردية الى مشروع وطني للحياة؛ يقوم على العلم، ويطمئن اليه الدين، ويثق به المجتمع، وتحميه المؤسسة وتضمن استمراره.
لقد صنع الاردن الريادة مرة… وآن الاوان الا نكتفي بتذكرها، بل ان نبني عليها ونمنح مرضانا فرصة جديدة للحياة.