رم - بعد أشهر من عرضه الأول في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش وسط جدل واسع، يستعد "شارع مالقة" للوصول إلى جمهور التلفزيون، في خطوة تمنح العمل فرصة جديدة للانتشار خارج دائرة المهرجانات السينمائية وتعد تجاوزا عمليا لما عُرف بـ"أزمة المشاهد الجريئة".
وظهر الفيلم للمرة الأولى ضمن العروض الاحتفالية في الدورة الثانية والعشرين للمهرجان، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر الأعمال إثارة للنقاش، بعدما انشغل قطاع من الجمهور بمشاهد اعتبرها البعض "صادمة".
في المقابل، دافعت مخرجة العمل مريم التوزاني عن هذه الاختيارات، مؤكدة أنها جزء من البناء الدرامي وليست وسيلة لاستفزاز المشاهد أو إثارة الجدل، بينما رأى نقاد أن الضجة الإعلامية صرفت الأنظار عن قراءة العمل من زاويته الفنية والإنسانية، وما يقدمه من معالجة هادئة لقضايا الشيخوخة والفقد والهوية.
يشكل الفيلم محطة جديدة في تجربة التوزاني، إذ يحمل توقيعها في الكتابة إلى جانب نبيل عيوش، ويأتي بعد النجاح الذي حققته في فيلمي "آدم" و"القفطان الأزرق"، كما يمثل أول تجربة للمخرجة باللغة الإسبانية، وهو ما يضفي عليه طابعا مختلفا مقارنة بأعمالها السابقة.
ويشارك في بطولة الفيلم كل من كارمن مورا، ومارتا إيتورا، وأحمد بولان، ليستكمل المسيرة الدولية لمخرجته التي سبق أن مثلت السينما المغربية في سباق جوائز الأوسكار.
قصة الفيلم
وتدور القصة في مدينة طنجة، حيث تعيش ماريا أنخيليس، وهي سيدة إسبانية مسنّة، صراعا مع ابنتها التي ترى أن بيع منزل العائلة هو الحل الوحيد للخروج من أزمة مالية أعقبت انفصالها.
أما الأم فترفض التخلي عن البيت الذي يمثل بالنسبة إليها خزانا للذكريات، فتخوض رحلة بحث عن مقتنيات ضائعة وتسعى إلى توفير المال اللازم للحفاظ على المنزل الذي اختزل تاريخها الشخصي.
وتستكشف الحبكة الدرامية علاقة البطلة بالمدينة التي ارتبطت بها منذ طفولتها، بعدما انتقلت أسرتها إليها في ثلاثينيات القرن الماضي هربا من أجواء الحرب الأهلية الإسبانية.
ومع تقدم العمر ورحيل زوجها وابتعاد ابنتها إلى إسبانيا، تواجه شعورا متزايدا بالوحدة، لكنها تحاول تجاوزه عبر بناء روابط إنسانية جديدة، في معالجة تتناول الذاكرة والانتماء ومعنى التمسك بالمكان.
ضرورة درامية
وسبق أن أكدت مريم التوزاني أن تصنيف بعض المشاهد باعتبارها "جريئة" يعكس وجهة نظر شخصية تختلف من متلق إلى آخر، موضحة أنها لم تتعامل معها بوصفها مشاهد صادمة، بل باعتبارها أدوات تعبير درامية فرضتها طبيعة الشخصيات والأحداث.
وأوضحت أن أي مشهد داخل الفيلم لم يكن هدفه إثارة الضجيج، وإنما جاء لخدمة تطور الحكاية وإبراز الحالة النفسية للشخصيات، معتبرة أن قيمة المشهد تقاس بوظيفته داخل العمل وليس بمعايير منفصلة عن السياق.
ونفت المخرجة أن يكون الفيلم موجها للدفاع عن أفكار أيديولوجية أو شعارات مرتبطة بقضايا المرأة، مؤكدة أنها تنطلق في كتابتها من الإنسان وتجربته ومشاعره، وليس من رغبة في تقديم رسائل مباشرة أو مواقف مسبقة.
كما شددت على أن اعتماد الفيلم على إنتاج مشترك مع شركاء أجانب لم يؤثر في استقلالية رؤيتها الفنية، موضحة أن السيناريو لم يخضع لأي إملاءات أو تعديلات مفروضة من جهات الإنتاج، وأن القرار الإبداعي ظل بيد فريق العمل.
وكشفت التوزاني أن فكرة الفيلم خرجت إلى النور بعد وفاة والدتها، وهي تجربة دفعتها إلى التأمل في معنى الفقد وكيفية الحفاظ على الذكريات عبر الفن.
وأضافت أن نشأتها داخل أسرة ذات جذور إسبانية، حيث كانت والدتها وجدتها تتحدثان الإسبانية، جعلت هذه اللغة جزءا من عالمها الشخصي، وهو ما انعكس بصورة طبيعية على مشروع "شارع مالقة".