د. مزهر يعقوب جوينات.
دخل رجل الى السوق، ووضع سلماً خشبياً في باحة السوق، ثم صعد ثلاث درجات فقط، ووقف صامتاً ينظر الى السماء. لم يتحدث... لم يفعل شيئاً سوى النظر نحو الاعلى. بعد دقائق، تباطأت خطوات المارة. رفع بعضهم رؤوسهم الى السماء، كما فعل الرجل، ثم انضم آخرون.
وبعد نصف ساعة، كانت الساحة مزدحمة بعشرات الوجوه التي تحدق الى الاعلى، وكل واحد منها يظن ان الاخر راى شيئاً يستحق الوقوف والنظر. مرّ طفل وسأل اول الواقفين، ماذا حدث؟ وعلى ماذا ينظرون؟! اجاب متردداً، لا اعلم ..... لكن لا بد ان هناك شيئاً يستحق النظر. فجاءة، نزل الرجل عن السلّم ، حملهُ، وغادر الساحة، بينما بقي الناس ينظرون الى السماء. ليست هذه القصة عن الساحة، ولا السلّم، ولا عن السماء.
انها قصة عن التقليد الاعمى. والعقل البشري عندما يتخلى عن وظيفته الجوهرية. ( أن يسال ويفهم قبل ان يكون مُقلداً وتابعاً) . الانسان لا ينشأ ناسخاً، لكنه يتعلم التقليد باكراً. يبدأ بتقليد الكلمات، ثم يتبع السلوك، ويتاثر بالاراء، حتى يصل الى مرحلة يعتقد فيها ان كثرة المُقرين بالفكرة والراي دليلٌ على صحتهما، وهنا يتمثل التعارض، فالحقيقة لم تكن يوماً مسالة تصويت او توارُث، بل مسالةُ قرائن وبراهين. لقد اظهرت ابحاث علم النفس المعرفي ان الدماغ يواصل البحث عن اقصر الطرق لاتخاذ القرار.
ولهذا يعتمد على ما يسمى بالاختصارات الذهنية، فيطمئن لما هو مألوف، ويمنح الثقة لما تؤيده الجماعة، ويشعر براحة اكبر عندما ينسجم مع ما يحيطه. هذه الآلية وفرت للإنسان سرعة الاستجابة في مواقف كثيرة، لكنها في الوقت نفسه قد تدفعه الى تبني بعض الافكار لمجرد انها شائعة بين الناس، لا لأنها صحيحة.
من هنا يبدأ الفرق بين نمطين من التفكير:- عقل يرى انتشار الفكرة، فيسأل، كم شخصاً يؤمن بها؟ وعقل آخر يرى الفكرة نفسها، فيسأل، ما الذي يجعلها صحيحة؟ يبدو ان السؤالان يتشابهان في الظاهر، لكن المسافة بينهما هي البُعد بين الاتباع والتفكير.
لعل اكثر ما يبرزهذا الفارق، عصرنا الرقمي. فخبر واحد قد يجتاح العالم في دقائق، بينما يحتاج التحقق منه الى ساعات او ايام. ولهذا تنتشر المعلومة المُضللة احياناً اسرع من الحقيقة، لان الاثارة تنتقل بلمح البصروتفوز بالتكرار، اماالدليل فيحتاج الى الصبر والتروي والاثبات.
وليس غريباً ان يصدق الانسان ما يراه مئات المرات، فالعقل يميل الى الألفة، حتى ولو كانت الالفة مع الوهمَ. المشكلة الحقيقية لا تبدا عند شيوع الخطأ، بل عند تغاضينا عن مساءلته. قكل فكرة لا تُدقق تتحول مع الزمن الى عادة، وكل عادة لا تُنقح تتحول الى يقين، وكل يقين لا يقبل النقد يصبح مُعتقلاً للعقل، مهما بدا مريحاً. لذا، فان التحليل الفكري ليس ترفاً ثقافياً، بل ممارسة يومية. يبدا عندما تقرا خبراً فتستقصي مصدره.
وعندما تسمع راياً تحلل مَنطقه، وعندما تعجب بفكرة فتسأل:- هل اقنعني دليلها، ام اغراني بريقها؟ وليس المقصود ان يعيش الانسان في شك دائم، فالشك الذي يهدم كل شيء لا يقل خطراً عن التقليد الذي يقبل كل شيء. انما المقصود ان يمتلك ميزاناً من الوعي يزن به الافكار قبل ان يسمح لها بالدخول الى قناعاته. لهذا، لم تكن الحضارات العظيمة نتيجة كثرة المعلومات، بل ثمرة جودة الاسئلة. فالسؤال المُحكم لا ينقُضُ الحقيقة بل يكشفها، والعقل الذي يُقدّر السّؤال، يحترم الحقيقة اكثر من الاحتفال بتحقيق اتصارات شخصية. ان اخطر خسارة تصيب الانسان، ليس ان لا يخطئ في الرأي، بل ان يفقد القدرة على مراجعة رأيه. فالفكرة الخاطئة يمكن تصحيحها، اما العقل الذي يرفض التقيم، يُغلق على نفسه ابواب التطور والنمو.
ان الوعي الحقيقي لا يبدأ عندما نكتشف اخطاء الاخرين، بل عندما نمتلك الشجاعة لنواجه ونعترف باخطائنا فهنالك فارق عميق بين من يبحث عن الحقيقة، ومن يبحث عن ما يثبت قناعته الشخصية. الاول قد يغيّر رأيه، فيكتسب المرونة العقلية والمعرفة الاوسع، اما الثاني، فقد يحتفظ برأيه لكنه يخسر فرصة ان يرى العالم متطوراً كما هو اليوم. .....، ان الانسان لا يلزمهُ سلماً يتسلق عليه ليرى ابعد، بل الى عقلاً يرفض ان ينظر حيث ينظر الجميع، قبل ان يعرف الى ماذا، ولماذا ينظرون؟. فكل خطوة يخطوها العقل نحو السؤال، هي خطوة يبتعد بها عن كارثة التقليد الاعمى. وكل فكرة تنجو من فحص الدليل، تصبح جزءاً من وعيً لا تقوده الجموع بالتوارث، بل تقوده الحقائق العلمية والتحليل الفكري الناضج. فالذين يُردّدون ما يسمعون يملؤون الكون فراغاً، اما الذين يفتشون عن الحقيقة، فهم الذين يتركون في التاريخ امجاداً.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |