الخلاف البنّاء… حين يتحول الاختلاف إلى ميزة مؤسسية


رم -

الاستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

 

في كثير من المؤسسات، لا يزال الخلاف يُنظر إليه على أنه مشكلة ينبغي احتواؤها أو تجنبها، بينما تؤكد أفضل الممارسات الإدارية أن غياب الخلاف ليس بالضرورة دليلاً على انسجام الفريق أو كفاءة العمل. ففي أحيان كثيرة، يكون مؤشراً على ضعف التواصل، أو الخوف من إبداء الرأي، أو هيمنة ثقافة الموافقة الصامتة.

 

وقد أثبتت التجارب أن بعض أكبر الإخفاقات المؤسسية لم تكن نتيجة كثرة الخلافات، بل نتيجة غيابها، حين تردد الجميع في طرح الرأي المخالف أو مراجعة القرار قبل اعتماده. ولذلك، فإن المؤسسات الرائدة لا تسعى إلى القضاء على الخلافات، وإنما تعمل على إدارتها بصورة احترافية تجعل منها أداة لتحسين الأداء وجودة القرار. فالاختلاف المهني يكشف جوانب قد لا تكون ظاهرة، ويختبر الفرضيات، ويمنع التسرع، ويقود إلى حلول أكثر نضجاً واستدامة.

 

أما الخطر الحقيقي، فيبدأ عندما ينتقل الخلاف من مناقشة الأفكار إلى مهاجمة الأشخاص، أو عندما يصبح الدفاع عن المواقف الشخصية أهم من البحث عن المصلحة المؤسسية. وتنشأ الخلافات في بيئات العمل لأسباب متعددة، من أبرزها اختلاف الخبرات، وتباين الأولويات، وتعارض المصالح، وغموض الصلاحيات، أو سوء تفسير الرسائل والمعلومات.

 

وهذه الأسباب طبيعية في أي مؤسسة تضم تخصصات وخلفيات متنوعة، إلا أن طريقة التعامل معها هي التي تحدد ما إذا كانت ستتحول إلى فرصة للتطوير أو إلى مصدر للتوتر، وانخفاض الإنتاجية، وتراجع الثقة بين العاملين. وقد أدركت المؤسسات العالمية هذه الحقيقة منذ سنوات، فتبنت سياسات تجعل الاختلاف جزءاً من عملية صناعة القرار.

 

ففي كبرى شركات التكنولوجيا، تُشجَّع ثقافة “الاختلاف المهني المحترم”، حيث تُناقش الأفكار بعمق داخل الاجتماعات، ويُسمح بطرح جميع الآراء والاعتراضات، ثم يلتزم الجميع بتنفيذ القرار بعد اعتماده. وقد أسهم هذا النهج في تحسين جودة المنتجات، وتقليل أخطاء اتخاذ القرار، وتعزيز الابتكار داخل فرق العمل. وفي قطاع الطيران، أصبحت إدارة الخلاف بين أفراد طاقم القيادة جزءاً أساسياً من برامج إدارة موارد الطاقم (Crew Resource Management)، بعد أن أثبتت التجارب أن تمكين مساعد الطيار من الاعتراض المهني عند الضرورة، دون خوف أو تردد، أسهم في رفع مستويات السلامة وخفض كثير من الحوادث التي كان سببها التردد في مناقشة قائد الطائرة أو تصحيح قراره في الوقت المناسب.

 

وعلى المستوى الإقليمي، اتجهت العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة في دول الخليج إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة المؤسسية، من خلال إنشاء لجان مستقلة، وتعزيز إدارة المخاطر، وإلزام فرق العمل بتوثيق الآراء المختلفة قبل اعتماد القرارات الاستراتيجية.

وقد انعكس ذلك إيجاباً على مستوى الشفافية، وجودة القرارات، وتعزيز المساءلة المؤسسية، بما يضمن أن تكون القرارات نتاج نقاش مهني منظم، لا مجرد توافق شكلي. أما في الأردن، فإن مسارات تحديث القطاع العام، وتعزيز الحوكمة في الجامعات والمؤسسات، وتطوير عمل المجالس واللجان الفنية، تمثل فرصة حقيقية لترسيخ ثقافة الحوار المؤسسي القائم على الأدلة والبيانات.

 

فالاجتماع الناجح لا يُقاس بسرعة انتهائه أو بعدد الموافقين فيه، وإنما بقدرته على الوصول إلى قرار مدروس يعكس تعدد وجهات النظر ويخدم المصلحة العامة. غير أن تحقيق ذلك يتطلب تغييراً في الثقافة الإدارية قبل تغيير الإجراءات. فالقائد الناجح لا يبحث عن فريق يوافقه في كل ما يطرح، بل عن فريق يمتلك الشجاعة المهنية لعرض رأي مختلف يستند إلى الأدلة والتحليل.

 

وفي المقابل، فإن الموظف المحترف لا يعارض لإثبات حضوره، ولا يوافق لإرضاء مديره، وإنما يناقش بهدف الوصول إلى القرار الأكثر كفاءة وتحقيقاً لمصلحة المؤسسة. ولتحويل الخلاف إلى قيمة مضافة، تشير التجارب الإدارية إلى مجموعة من الممارسات التي أثبتت نجاحها.

 

تبدأ هذه الممارسات بتحديد المشكلة الحقيقية قبل البحث عن الحلول، والفصل بين نقد الفكرة واحترام صاحبها، والاستماع بقصد الفهم لا بقصد الرد، والاعتماد على البيانات والمؤشرات بدلاً من الانطباعات الشخصية، والتركيز على المصالح المشتركة بدلاً من المواقف المتعارضة، ثم توثيق ما يتم الاتفاق عليه، مع تحديد المسؤوليات وآليات التنفيذ ومواعيد المتابعة، بما يضمن تحويل نتائج الحوار إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

 

بل إن بعض المؤسسات العالمية ذهبت إلى أبعد من ذلك، فاعتمدت ما يُعرف بـ”المعارض البنّاء” (Devil’s Advocate)، وهو شخص تُسند إليه مهمة اختبار الفرضيات، وطرح الأسئلة الصعبة، وكشف المخاطر المحتملة قبل اعتماد القرار.

 

كما تطبق مؤسسات أخرى منهجية “المراجعة بعد التنفيذ” (After Action Review)، التي تركز على تحليل النتائج واستخلاص الدروس المستفادة لتحسين الأداء المستقبلي، بعيداً عن ثقافة اللوم أو البحث عن المسؤول عن الخطأ. وفي المحصلة، لا تُقاس نضج المؤسسات بعدد الخلافات التي تخلو منها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الخلافات بموضوعية واحترام متبادل.

 

فالفريق الذي يختلف بعقلانية، ويتحاور بموضوعية، ويحتكم إلى الحقائق، يمتلك قدرة أكبر على الابتكار، ويتخذ قرارات أكثر جودة، ويصبح أكثر استعداداً للتعامل مع التحديات والمتغيرات. أما المؤسسة التي تُصادر الرأي المختلف، فإنها قد تحقق هدوءاً مؤقتاً، لكنها تخسر أهم مصادر التعلم والتطوير، لأن القرارات الرشيدة لا تُبنى على الإجماع المصطنع، وإنما على حوار مهني مسؤول يجعل من الاختلاف وسيلة للوصول إلى أفضل الحلول، لا سبباً للانقسام.




عدد المشاهدات : (458)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :