رم - أريج اليوسف
قبل أسابيع، كنت أقف في مطار الملكة علياء الدولي، أستعد للمغادرة. توجهت تلقائياً نحو بوابات السفر الإلكترونية (E-Gates). في ثوانٍ معدودة، وبلمسات رقمية سريعة، أنهيت إجراءات العبور بالكامل. واصلت طريقي نحو الطائرة دون الاضطرار للوقوف في الطوابير المعتادة، ودون انتظار الختم التقليدي على جواز سفري. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه التجربة عادية وعابرة لكثير من المسافرين اليوم، لكنها في عمقها دفعتني للتوقف وطرح سؤال جوهري: ما الذي يجعلنا نحكم على خدمة معينة بأنها نجاح رقمي حقيقي؟
ارى بإن النجاح الفعلي للمشاريع الرقمية لا يقاس بمدى تعقيد التكنولوجيا المستخدمة أو حداثتها، بل بالأثر الملموس الذي تتركه في تفاصيل حياتنا اليومية. التكنولوجيا الناجحة هي تلك التي تندمج في تفاصيل يومنا بصمت، فنستخدمها دون أن نفكر في الخوارزميات المعقدة التي تقف خلف الشاشات. عندما ننجز معاملة حكومية عبر تطبيق "سند"، أو نعبر من بوابات المطار، فإن ما ينطبع في ذاكرتنا ليس اسم التطبيق أو نوع النظام؛ بل هو ذلك الشعور المريح بالرضا: كم وفرت لي هذه الخدمة من وقت ثمين وجهد بدني؟
هذه الرؤية للتحول الرقمي جعلتني أقرأ نتائج تقرير "مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة (GEMS) لعام 2025"، الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، بمنظور مختلف تماماً. هذا المؤشر الإقليمي البارز لا يكتفي بترتيب الدول كأرقام مجردة، بل يغوص في تقييم 1,333 خدمة ومؤسسة حكومية عبر 17 دولة عربية. المعايير هنا لا تقيس مجرد توفر الخدمة على الإنترنت، بل تركز على سهولة استخدامها، وتكامل الأنظمة، وكفاءة تقديمها، ومدى تمحورها حول تلبية الاحتياجات الحقيقية للمستفيد.
التقرير يكشف عن قفزة نوعية في المنظومة الرقمية العربية؛ حيث تصدرت المملكة العربية السعودية المركز الأول، تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم دولة قطر. وجاءت ضمن قائمة الدول العشر الأولى كل من البحرين، وسلطنة عُمان، والكويت، والأردن، ومصر، وتونس، والمغرب. ويعد حلول الأردن ضمن هذه النخبة الرقمية إنجازاً يترجم الجهود المتواصلة لتطوير المعاملات الذكية في المملكة. لكن العبرة الحقيقية لا تكمن في ترتيب اليوم، بل في القدرة على استدامة هذا التطور؛ فالتحول الرقمي ليس سباقاً ينتهي عند خط وصول، بل رحلة مستمرة تتشكل وتتوسع مع تطور طموحات البشر.
من "الرقمنة" إلى "الذكاء الاستباقي".
في الواقع، إن أكبر خطأ استراتيجي قد تقع فيه المؤسسات هو اختزال التحول الرقمي في الأدوات التكنولوجية البحتة. الرقمنة لا تعني مجرد تحويل ورقة تقليدية إلى ملف "PDF" أو نموذج إلكتروني، ولا تعني إطلاق تطبيق جديد كل عام. التحول الحقيقي هو إعادة هندسة كاملة لرحلة المستفيد؛ وإزالة الخطوات غير الضرورية، وربط المؤسسات الحكومية ببعضها، بحيث يحصل المواطن أو المقيم أو المستثمر على الخدمة بسهولة، دون الحاجة إلى البيروقراطية او تكرار البيانات أو التنقل بين جهات مختلفة.
اليوم، ومع الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، تقف الحكومات أمام فرصة تاريخية للانتقال من تقديم "خدمات رقمية" إلى تقديم "خدمات ذكية واستباقية". خدمات تمتلك القدرة على التنبؤ باحتياجات المستفيد قبل أن يطلبها، وتختصر رحلته بالكامل، مع الالتزام بأعلى معايير الخصوصية والأمن السيبراني. ومهما بلغت الأدوات من ذكاء، لن يتذكر المواطن نوع النظام المستخدم، أو اسم المنصة، أو التقنية التي تعمل في الخلفية، ما سيتذكره هو أن معاملته أُنجزت بسهولة، وأن وقته كان محل احترام، وأن تجربته كانت أفضل مما كانت عليه بالأمس فالتحول الرقمي في نهاية المطاف ليس مشروعاً تقنياً، بل هو مشروع لبناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع؛ ثقة تولد عندما يشعر الناس أن التكنولوجيا تعمل لأجلهم، وليست عبئاً عليهم. تماماً كما ذكرتني بوابات المطار: أعظم المشاريع هي تلك التي تكاد لا تشعر بوجودها... لأنها ببساطة تجعل الحياة أسهل.
خبيرة في التنمية الدولية وريادة الاعمال