الشرق الأوسط تائه بين اللاحرب واللاسلم


رم -
ليس أخطر ما يواجه الشرق الأوسط احتمال اندلاع حرب جديدة، بل احتمال أن تبقى المنطقة عالقة إلى أجل غير معلوم في حالة اللاحرب واللاسلم. إنها منطقة لا تعرف سلاما مستقرا يسمح بازدهار الاقتصادات، ولا تدخل حربا شاملة تعيد رسم التوازنات بصورة نهائية. وبدلا من ذلك، تتحرك على إيقاع أزمات متكررة، تتبدل فيها ساحات المواجهة، بينما يبقى منطق الاستنزاف هو الثابت الوحيد.

لقد دخل الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين مرحلة مختلفة من تاريخه السياسي. فلم تعد الحروب التقليدية هي السمة الغالبة، كما لم تعد الاتفاقيات السياسية قادرة وحدها على إنتاج سلام دائم. وبين هذين الواقعين نشأ نظام إقليمي جديد، يقوم على الردع المتبادل، والتنافس الجيوسياسي، والعمليات العسكرية المحدودة، والضغوط الاقتصادية، وحروب الوكالة، والهجمات السيبرانية، والصراع على النفوذ. والنتيجة أن المنطقة أصبحت تعيش في حالة توتر دائم منخفض الحدة، لكنه مرتفع الكلفة.

اقتصاديا، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فكل جولة تصعيد لا تؤثر فقط في الأطراف المتواجهة، بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة، وحركة الملاحة، وسلاسل الإمداد العالمية، وثقة المستثمرين. وتجد الحكومات نفسها مضطرة إلى تخصيص موارد متزايدة للأمن والدفاع، في وقت تحتاج فيه إلى الاستثمار في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والاقتصاد الرقمي. وهكذا تتحول تكلفة عدم الاستقرار إلى ضريبة مستمرة تدفعها المنطقة عاما بعد عام.

أما سياسيا، فقد أصبحت إدارة الأزمات بديلا عن حلها. فبدلا من الوصول إلى تسويات نهائية، يجري احتواء الأزمات ومنع انفجارها الكامل، لتظل قابلة للاشتعال في أي لحظة. هذا النمط يوفر هدوءا مؤقتا، لكنه لا يبني استقرارا طويل الأمد، ويجعل مستقبل المنطقة رهينا لتوازنات متغيرة أكثر من كونه قائما على مؤسسات إقليمية راسخة.

ورغم ذلك، فإن المشهد ليس أحادي اللون. فبالتوازي مع الصراعات، تشهد عدة دول في الشرق الأوسط تحولات اقتصادية واسعة، واستثمارات في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية. وهذا يكشف عن مفارقة لافتة، فالمنطقة تمتلك مقومات تؤهلها لتكون مركزا عالميا للتجارة والاستثمار، لكنها تظل مهددة بتوترات تستنزف جزءا مهما من تلك الإمكانات.

إن مستقبل الشرق الأوسط خلال العقد المقبل سيتوقف على الإجابة عن سؤال واحد: هل ستبقى المنطقة أسيرة منطق الردع وإدارة الأزمات، أم ستنتقل إلى منطق بناء المصالح المشتركة؟ فإذا استمر النموذج الحالي، فمن المرجح أن نشهد مزيدا من الأزمات المحدودة التي لا تنتهي إلى حرب شاملة ولا تفضي إلى سلام دائم. أما إذا نجحت القوى الإقليمية في توسيع مساحات التعاون الاقتصادي، وتعزيز الثقة، وإيجاد آليات أكثر فاعلية لإدارة الخلافات، فقد يتحول الاقتصاد إلى عامل للاستقرار بدلا من أن يبقى رهينة للصراع.

ويكشف الواقع أن المناطق لا تنهض عندما تنتصر في الحروب، بل عندما تنجح في تقليص الحاجة إليها. فالسلام المستدام لا يولد من توازنات القوة وحدها، بل من بناء مصالح مشتركة تجعل كلفة الصراع أعلى من مكاسبه. والشرق الأوسط اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يواصل الدوران في حلقة اللاحرب واللاسلم، حيث يصبح الاستنزاف أسلوب حياة، أو أن يعيد صياغة أولوياته على أساس التنمية، والتكامل الاقتصادي، والاستقرار المؤسسي.

وربما تكون الحقيقة الأكثر إلحاحا أن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط ليس اندلاع حرب جديدة، بل تحول اللاحرب واللاسلم إلى حالة دائمة. فعندما تصبح الأزمات هي القاعدة، ويغدو الاستقرار مجرد استراحة بين جولتي تصعيد، لا يضيع السلام وحده، بل يضيع معه المستقبل أيضا. فالمنطقة لا تحتاج إلى هدنة جديدة بقدر ما تحتاج إلى رؤية جديدة، تجعل التنمية بديلا عن الاستنزاف، والتعاون بديلا عن الصراع، والاستقرار خيارا استراتيجيا لا مرحلة مؤقتة بين أزمتين.

زهير الشرمان



عدد المشاهدات : (3962)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :