رم - فارس كرامة
في السياسة، هناك من يتحدث كثيرا، وهناك من يترك كلماته تعيش لسنوات، وهناك من يختلف الناس معه أو عليه، لكنه لا يمر يوما كشخصية عابرة، وعندما يذكر اسم دولة الدكتور عبدالله النسور، فإننا لا نتحدث فقط عن رئيس وزراء سابق، بل عن مدرسة سياسية أردنية، جمعت بين الجرأة في القرار، والبلاغة في الخطاب، والقدرة على إدارة أصعب المراحل التي مرت بها الدولة الأردنية.
عبدالله النسور ليس من السياسيين الذين صنعهم المنصب، بل من الذين سبقوا المنصب بخبرتهم، وثقافتهم، وحضورهم، ولذلك لم يكن وصوله إلى رئاسة الوزراء مفاجئا، بل كان امتدادا لمسيرة طويلة تنقل خلالها بين البرلمان، والحكومات، والإدارة العامة، والجامعات، والهيئات الوطنية، حتى أصبح أحد أكثر السياسيين الأردنيين خبرة في إدارة الدولة.
ولد في مدينة السلط عام 1939، المدينة التي خرج منها كثير من رجالات الدولة، ونهل من مدارسها الأولى قبل أن ينتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ويحصل على درجة البكالوريوس في الإحصاء، ثم الماجستير في إدارة المؤسسات من جامعة ميشيغان الأمريكية، قبل أن ينال الدكتوراه في التخطيط من جامعة السوربون الفرنسية، وهي رحلة علمية صنعت شخصية تؤمن بأن القرار يجب أن يستند إلى المعرفة قبل السياسة.
عرف النسور بذكائه السياسي، وسرعة بديهته، وقوة منطقه، فهو خطيب بارع، وصاحب حجة، وحاضر الذهن في النقاش، لا يتردد في الدفاع عن قناعاته مهما كانت الضغوط، ويجيد إدارة الحوار كما يجيد إدارة الخلاف، لذلك بقي حضوره مؤثرا حتى بعد مغادرته رئاسة الحكومة.
تنقل بين أهم الحقائب الوزارية في الدولة، فتولى وزارات التخطيط، والتربية والتعليم، والخارجية، والصناعة والتجارة، والتعليم العالي، والتنمية الإدارية، والإعلام، كما شغل منصب نائب رئيس الوزراء، قبل أن يتولى رئاسة الوزراء بين عامي 2012 و2016، في واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية والسياسية التي مرت بها المملكة، وسط تحديات إقليمية غير مسبوقة، وأزمات اقتصادية وضغوط نتجت عن تدفق اللاجئين، وارتفاع كلف الطاقة، والظروف الإقليمية المعقدة.
وفي الحياة النيابية، لم يكن عبدالله النسور نائبا عاديا، بل كان رقما صعبا تحت القبة، وحظي بإشادة واسعة بأدائه الرقابي والتشريعي، حتى من خصومه السياسيين، لأنه كان يؤمن أن المعارضة ليست معارضة من أجل المعارضة، وإنما معارضة تصب في المصلحة العامة، وتدافع عن الوطن قبل أي اعتبار آخر، لذلك لم يكن يمنح الثقة للحكومات بسهولة، وكان يواجه السياسات التي يراها خاطئة بالحجة والمنطق، بعيدا عن الشعبوية أو تسجيل المواقف، وحتى عندما كان في صفوف المعارضة، بقيت معارضته معارضة دولة، هدفها الإصلاح، لا تسجيل النقاط.
كما كان عضوا في مجلس الأعيان في أكثر من دورة، ولا يزال حضوره في الحياة العامة قائما، بما يمتلكه من خبرة تراكمية جعلته مرجعية سياسية ودستورية لكثير من المهتمين بالشأن العام.
ورغم أن حكومته ارتبطت بقرارات اقتصادية صعبة أثارت جدلا واسعا، إلا أن كثيرين يرون أنه كان يتخذ قراراته وفق ما يعتقد أنه يحمي استقرار الدولة، لا بحثا عن الشعبية، وهو ما جعله من السياسيين الذين فضلوا تحمل كلفة القرار على الهروب منه.
يعرف عن عبدالله النسور أيضا ثقافته الواسعة، واهتمامه بالفكر والسياسة والتاريخ، وقدرته على قراءة المشهد المحلي والإقليمي بعمق، إضافة إلى حضوره اللافت في الندوات والحوارات العامة، حيث يبقى صوته مسموعا، ورأيه محل اهتمام حتى بعد سنوات من مغادرته رئاسة الحكومة.
وعلى المستوى الشخصي، يعرف عن النسور أنه لا يلتفت إلى صغار المعارك، ولا يشغل نفسه بالمهاترات، ويؤمن أن رجل الدولة يجب أن ينشغل بالقضايا الكبرى، لا بالرد على الأصوات الصغيرة، كما بقي على الدوام رقما مهما في مدينته السلط، يحظى بحب واحترام أبنائها، وبمكانة اجتماعية وسياسية صنعتها سنوات طويلة من العمل العام، والحضور الوطني، والثبات على الموقف.
حصل خلال مسيرته على العديد من الأوسمة الأردنية والعالمية، منها وسام النهضة، ووسام الكوكب، ووسام الاستقلال، ووسام جوقة الشرف الفرنسي، ووسام التاج البلجيكي، تقديرا لمسيرته الطويلة في خدمة الدولة.
قد يختلف الأردنيون حول بعض قرارات عبدالله النسور، لكنهم يتفقون على أنه رجل دولة من الطراز الرفيع، وصاحب شخصية مستقلة، وحاضر في المشهد السياسي بعقله قبل منصبه، وبخبرته قبل ألقابه.
عبدالله النسور، رجل دولة، وسياسي مخضرم، وخطيب مفوه، وصاحب رأي لا يخشى إعلانه، ترك بصمة واضحة في الحياة السياسية الأردنية، وأثبت أن السياسة ليست رفع الصوت، بل قوة الحجة، وأن المعارضة ليست تعطيل الدولة، بل تصويب مسارها، وسيبقى اسمه حاضرا كلما دار الحديث عن رجال الدولة الذين واجهوا أصعب المراحل بثبات، وحكمة، وقدرة على تحمل مسؤولية القرار