يتحدثون عن الجلوة العشائرية بين من يريد حصرها بدفتر العائلة وآخرين يطالبون بإلغائها وإلغاء العطوة ما دام القاتل في السجن وكأن هذا العرف الراسخ مجرد تفصيل يمكن شطبه بقرار سريع وبرأيي فإن هذا الطرح الصادر عن مستشارية العشائرالتي نحترم طرح غير موفق ولا ينسجم مع جوهر العرف العشائري ولا مع فلسفته التي قامت على حماية المجتمع قبل أي اعتبار آخر فالعرف العشائري لم يولد صدفة ولم يصغ عبثا بل بناه رجال حكمة وخبرة قرأوا الواقع وعرفوا طبائع الناس وتعاملوا مع لحظات الغضب وفورة الدم بما يمنع انفلاتها لذلك جاءت الجلوة كإجراء احترازي له شروط واضحة وحدود مضبوطة يهدف إلى تهدئة النفوس ومنع الاحتكاك وإعطاء مساحة زمنية تعيد التوازن وتمنع توسع دائرة النزاع ثم تعود الأمور تدريجيا وفق مسار مدروس عنوانه الأول والأخير حفظ السلم المجتمعي لكن وقبل أن نذهب بعيدا في طرح إلغاء الجلوة أو تفريغها من مضمونها كان الأولى بالمستشارية أن تلتفت إلى الخلل الحقيقي الذي أصاب الممارسة لا الأصل فالمشكلة اليوم ليست في العرف بل في من أساؤوا تطبيقه فكيف يتم تجاهل ظاهرة البعض ممن يأخذون العطوة ولا يتابعونها ولا يتحملون مسؤولياتها وكل همهم الظهور في الصور والاستعراض ثم يديرون ظهورهم دون أدنى التزام وكيف يتم التغاضي عن فوضى حمل السلاح تحت شعارات المشيخة والعباءة حتى أصبح المشهد مشوشا واختلط الحابل بالنابل وضاعت هيبة العرف بين من يستحقه ومن يتسلق عليه بحثا عن الواجهة.
إن العبث بالنصوص قبل ضبط السلوك خطأ جسيم فإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح تبدأ بإعادة الاعتبار لأهل العرف الحقيقيين ووضع حد للفوضى التي شوهت هذا الإرث الاجتماعي وليس بطرح قرارات متسرعة وغير مدروسة تزيد المشهد تعقيدا ونحن أمام تجربة قريبة وهي وثيقة الجلوة الأخيرة حيث تم أخذ عطوات ولم يتم الالتزام بما ورد فيها وهذا دليل واضح على أن القرارات المتسرعة لا تصمد على أرض الواقع وأن أي معالجة شكلية لهذا الملف ستفشل وتزيد التعقيد لا الحل كما أن مفهوم الوجه يجب أن يعود إلى أصله الصحيح فالوجه ليس شخصا يتخذ القرار بمفرده بل هو عشيرة تقف خلفه بعد مشورة وتوافق لكن ما يحدث اليوم أن بعض من يتصدرون للمشهد يقبلون أن يكونوا وجوها بقرار فردي وهذا يفرغ العرف من مضمونه ويضعف هيبته ويضرب الثقة به .
يبقى السؤال الأخطر من يتحمل تبعات إلغاء الجلوة إذا اشتعلت الفتنة من جديد ومن يضمن عدم عودة الثأر واتساعه إن تحميل المجتمع نتائج قرار غير مدروس هو مغامرة لا يمكن القبول بها فالسلم المجتمعي ليس مجالا للتجارب وأي خلل فيه سيدفع ثمنه الجميع دون استثناء ومن هنا فإن الطريق الأجدى ليس الإلغاء ولا التسرع في اتخاذ القرارات بل الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني تتبناه مستشارية العشائر يضم أهل الخبرة والحكمة من شيوخ العشائر والقانونيين والباحثين يتم فيه إجراء مراجعة شاملة وموضوعية لهذا العرف من حيث التطبيق والضوابط وآليات الالتزام بما يضمن تطويره بما ينسجم مع متطلبات المرحلة ويحافظ في الوقت ذاته على جوهره ودوره في حماية السلم المجتمعي .
موسى الحويان
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |