رم - بقلم: د. دعاء الشويخ
تتحدد قوة الاقتصاديات الحديثة بمقدار حصافتها الاستراتيجية في تشخيص مكامن قوتها الذاتية، وجسارتها في تحويل أصولها الطبيعية والجغرافية من ممتلكات صامتة إلى شرايين تنموية نفاذة ومستدامة. والأردن، بثرائه البيئي الفريد ومكانته الحضارية المترسخة عبر التاريخ، يمتلك كافة مقومات السيادة السياحية البيئية التي تؤهله لتصدّر هذا القطاع إقليميًا ودوليًا.
لم تعد السياحة البيئية في الفكر الاستثماري المعاصر مجرد رافد رفاهي أو نشاط استثماري هامشي، بل أضحت محركًا سياديًا للنمو، وأداة هيكلية لإعادة توزيع عوائد التنمية، وخلق الفرص المباشرة، وتمكين أهالي المحافظات ضمن منظومة اقتصادية صلبة قادرة على التكيف والمنافسة.
النهج الميداني للحكومة: قطعٌ مع النمطية وتكريسٌ للإنجاز
إن العبور بهذا القطاع الحيوي نحو تعظيم عوائده يقتضي انتقالاً حاسماً من منطق التخطيط النظري إلى صرامة التنفيذ الميداني؛ وهو ما يتجلى في النهج الحكومي المباشر الذي يقوده رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان عبر الزيارات الميدانية المتكررة والمتابعة الحثيثة لمشاريع البنية التحتية والمبادرات البيئية الواعدة.
إن حرص الحكومة على المتابعة الميدانية المستمرة للمشاريع السياحية البيئية القائمة على أرض الواقع وتفقد نسب إنجازها خطوة بخطوة، يُجسد تحولاً تنفيذيًا حقيقيًا يهدف إلى تسريع تسليم المشاريع وضمان جودتها. غير أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذا النهج التنفيذي تتجلى في توسيع نطاق هذه الرؤية وتوجيه هذا الزخم الميداني والاستثماري نحو محافظات الجنوب، وفي مقدمتها محافظة معان.
معان والجنوب: الثقل البيئي ومركز الثقل الاقتصادي القادم
تُمثل محافظة معان ومحافظات الجنوب العمق الاستراتيجي والبيئي الأكثر ثراءً وجاذبية على خريطة الاستثمار المستدام؛ لما تمتلكه من اتساع جغرافي استثنائي، وتنوع طبيعي يمتد من باديتها إلى مرتفعاتها، فضلاً عن ثقلها الحضاري والتاريخي العالمي في البترا ووادي رم والمحميات الطبيعية المحيطة بها.
إن تعزيز الدور الحكومي في تحويل هذا الثقل البيئي والتاريخي إلى منصة اقتصادية منتجة في معان والجنوب يتطلب تركيزًا استراتيجيًا على المحاور التالية:
* إعادة تعريف الأصول البيئية كأصول استثمارية: الانتقال من مفهوم "الموقع القابل للزيارة" إلى "المنشأة الاقتصادية القادرة على توليد فرص العمل"، عبر استنساخ وتطوير نماذج القرى والنُزل البيئية والمراكز الاستكشافية المتكاملة التي تضم القاعات والمرافق والحدائق البيئية بما يلائم طبيعة الجنوب الاستثنائية.
* تمكين الريادة والاستثمار المحلي: توفير التسهيلات التمويلية الميسرة والمنح العينية المباشرة، لضمان قدرة أبناء الجنوب على تأسيس وإدارة مشاريعهم الخاصة في مجالات الضيافة البيئية، والأنشطة المغامرة، والخدمات اللوجستية المساندة.
* توطين التنمية وحفظ القيمة المضافة: بناء حاضنات أعمال ومساحات تسويقية محلية تضمن ترويج المنتجات والخدمات التي ينتجها أبناء معان والجنوب، ليكونوا المالكين والمشغلين الحقيقيين لرأس المال التنموي، بدلاً من بقائهم في موقع المراقب لعوائد زائرة.
رؤية للأثر المباشر واقتصاد المستقبل
إن نجاح التنمية السياحية البيئية لا تُحدد قيمته بأعداد الزوار العابرين، بل بمدى قدرته على تحقيق أثر ملموس ومستدام في المستوى المعيشي للمواطنين، وتحويل المقومات الطبيعية إلى منصات إنتاجية تُحقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مختلف المحافظات.
إن التنمية الحقيقية ليست مجرد نصوص تُصاغ، بل هي أثرٌ يُلمس، وفرصٌ تُبتكر، ومجتمعاتٌ تُستثمر طاقتها. وإن تركيز الجهود الحكومية والميزانيات الاستثمارية نحو محافظات الجنوب وعلى رأسها معان، يمثل الخيار العملي والأمثل لصناعة اقتصاد المستقبل، واستغلال ثروات الوطن لصالح أجياله القادمة.