البطوش : من أوراق الرفوف إلى اقتصاد المعرفة،،كيف نستعيد دور الجامعات الأردنية؟


رم -

د. قيس البطوش


لا يخفى على المتابع للشأن الأكاديمي الأردني أن التعديلات الجديدة المقترحة على قانون الجامعات قد انحازت بشكل مكثف نحو مسألة "الحوكمة" وإعادة هيكلة المجالس الإدارية والقيادية. ولا شك أن الحوكمة الرشيدة تُعدّ ركيزة أساسية وضمانة تنظيمية لإدارة المؤسسات التعليمية بكفاءة وضبط الصلاحيات بنزاهة وشفافية، بل هي المظلة التي تحمي القرار الأكاديمي من العشوائية. ولكن، وعلى الرغم من هذه الأهمية البالغة للحوكمة، إلا أن التركيز المفرط عليها في التشريعات الأخيرة جاء على حساب الأساس الحقيقي والأهم الذي تُبنى عليه الجامعات وتستند إليه الاقتصاديات الحديثة، وهو: البحث العلمي التطبيقي والابتكار.
إن هذا التوجه التشريعي يشبه إلى حد كبير من يستهلك معظم جهده ووقت إصلاحه في تحسين شكليات إدارة البيت وتوزيع المهام فيه، بينما يغفل عن ترميم أساساته الخرسانية المتينة التي تحميه من الانهيار وتضمن بقاءه. فالإدارة -مهما بلغت كفاءتها وحوكمتها- تظل مجرد إطار تنظيمي لا يمكنه أن يخلق معرفة أو نهضة من العدم إذا كان المحرك البحثي والإنتاجي للجامعة معطلاً أو هامشياً.
ومن الملفت أن هذا الاختلال في تقديم "الوسيلة الإدارية" على "الغاية المعرفية" يتنافى مع المنهج المعرفي الشامل الذي أسسه القرآن الكريم لعمارة الأرض وإعادة إنتاج العلوم. فالقرآن لم ينظر إلى المعرفة كقوالب جامدة أو هياكل تنظيمية صماء، بل وضع منهجاً فكرياً ديناميكياً يبدأ بـ (التفكر) لملاحظة أسرار الكون وقوانينه، يتلوه (العقل) لربط الأسباب بالمسببات وتطوير الأدوات، وصولاً إلى (لتدبر) للوقوف على الأثر والمردود النفعي مما نتعلمه. هذا التسلسل يعلمنا أن العلم في الجامعات ليس لحفظ الكتب أو إدارة المناصب، بل لتسخير الطاقات وحل مشكلات المجتمع والنهوض بالاقتصاد.
بناءً على ذلك، يصبح الواجب التشريعي الأول بدلاً من الاستغراق في تفاصيل الحوكمة والصراعات الإدارية، هو إحداث ثورة حقيقية في فلسفة البحث العلمي وطريقة ممارسته لتنعكس مخرجاته على أرض الواقع. وبينما تحصد جامعات عالمية مرموقة مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) العلامة الكاملة (100/100) في مؤشرات "الاستشهادات البحثية" —والتي تقيس مدى أثر وفائدة الأبحاث للعالم— لا تزال أرقام جامعاتنا الوطنية تتراوح في مستويات متواضعة بين (7 إلى 15 نقطة)، نظراً لأن منظومتنا تركز على "كمية الأبحاث" لغايات ترقية الأستاذ، لا على "نوعيتها وأثرها التطبيقي".
ختاماً، إن أردنا لجامعاتنا أن ترفع تصنيفها العالمي وتصبح رافداً حقيقياً للاقتصاد الوطني، يجب ألا تُستنزف التشريعات في الشكليات الإدارية فقط؛ بل يجب توجيه الثقل التشريعي نحو إلزام طلبة الدراسات العليا بالنشر في مجلات عالمية رصينة، وتحويل الأبحاث من مجرد أوراق مكدسة على الرفوف إلى شركات ناشئة، وبراءات اختراع، وحلول عملية تخدم قضايا الوطن التنموية.




عدد المشاهدات : (7685)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :