ظهور حركة ردع الاحتلال في جنوب سوريا .. هل يعود الجولان إلى معادلة المقاومة ؟


رم -

د . مهدي مبارك عبد الله

لم يكن الإعلان عن تأسيس ( حركة ردع الاحتلال ) في الحادي عشر من فبراير عام 2026 حد سوريا عسكرياً عادياً يمكن إدراجه ضمن سلسلة البيانات التي تصدرها تشكيلات مسلحة تظهر ثم تختفي مع مرور الوقت خاصة وانها جاء في توقيت بالغ الحساسية بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 وبعد أشهر من توسع إسرائيل داخل المنطقة العازلة وفرض وقائع ميدانية جديدة في محافظتي القنيطرة ودرعا وهو ما منح الإعلان أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز كثيراً الحجم الحقيقي للحركة أو عدد مقاتليها.

 

منذ انهيار النظام السوري السابق لم تكتف إسرائيل بإدارة خطوط وقف إطلاق النار المنصوص عليها في اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 وإنما انتقلت إلى مرحلة مختلفة تماماً قوامها تثبيت وجود عسكري دائم داخل الأراضي السورية وإنشاء مواقع وقواعد جديدة والتوسع التدريجي في السيطرة على مساحات إضافية من الجنوب السوري الأمر الذي ولد شعوراً واسعاً لدى سكان المنطقة بأن الاحتلال لم يعد مؤقتاً بل أصبح مشروعاً طويل الأمد يسعى إلى فرض حقائق جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

وسط هذا الواقع الحساس والمعقد ولدت حركة ردع الاحتلال لتعلن بصورة صريحة أن هدفها ليس فقط مواجهة التوغلات الإسرائيلية وإنما العمل على مواصلة تحرير مرتفعات الجولان ورفض أي مشاريع استيطانية أو أمنية تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الجنوب السوري كما دعت الحركة في بيانها التأسيسي إلى توحيد السوريين عسكرياً وشعبياً لمواجهة الاحتلال والعمل على إعادة النازحين وإطلاق المحتجزين والدفاع عن أهالي حوران والقنيطرة.

 

أهمية ظهور هذه الحركة لا تكمن في بياناتها بقدر ما تكمن في البيئة التي أنتجتها خصوصا وان الحركات المسلحة لا تنشأ عادة من فراغ وإنما تولد عندما تتراكم ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في وجود احتلال عسكري مباشر وغياب قدرة الدولة على الدفاع عن أراضيها وتنامي الغضب الشعبي من استمرار الانتهاكات اليومية وهذه العوامل الثلاثة اجتمعت كلها في الجنوب السوري بصورة غير مسبوقة منذ نهاية عام 2024.

 

على ارض الواقع وبشكل متكرر شهدت قرى القنيطرة ودرعا خلال الأشهر الماضية عشرات عمليات التوغل الإسرائيلية واجراءات تفتيش المنازل وتجريف الأراضي الزراعية وإقامة السواتر الترابية والطرق العسكرية واعتقال المدنيين وإبعاد القرويين والرعاة عن مراعيهم واراضيهم وصولاً إلى إنشاء مشاريع استيطانية ذات طابع مدني تحت حماية الجيش الإسرائيلي وهو ما خلق لدى كثير من السكان قناعة بأن إسرائيل انتقلت من سياسة الردع إلى سياسة الضم التدريجي غير المعلن.

لعل ما يزيد أهمية هذه الحركة أنها ليست أول تنظيم يرفع شعار مقاومة الاحتلال بعد سقوط الأسد فقد سبقها ظهور تشكيلات أخرى مثل أولي البأس ثم سرايا الثبات الأمر الذي يوحي بأن الجنوب السوري يشهد ولادة تدريجية لمشهد مقاوم جديد متعدد الأسماء والمرجعيات حتى وإن اختلفت قدراته العسكرية أو صدقية بعض بياناته وهذا بحد ذاته يمثل تطوراً يقلق إسرائيل لأنه يشير إلى تحول بيئة الجنوب من منطقة أمنية رخوة إلى ساحة مرشحة لعمليات حرب عصابات منظمة لاستنزاف طويل الأمد.

 

عمليا رغم أن هوية قيادة تنظيم حركة ردع الاحتلال لا تزال غير معروفة بصورة كاملة كما أن حجم قواتها وإمكاناتها العسكرية ما يزال يحيطه كثير من الغموض الا ان ذلك لا ينتقص بالضرورة من أهميتها بل قد يكون جزءاً من طبيعة العمل السري الذي تتبناه حركات المقاومة الناشئة في مراحلها الأولى. كما أن انضمام مجموعات عشائرية من حوران وإعلانها الوقوف إلى جانب الحركة يمنحها بعداً اجتماعياً لا يتوافر عادة في التنظيمات المصطنعة لأن الحاضنة الشعبية هي الشرط الأول لاستمرار أي مقاومة حيث أثبت التاريخ بالتجربة أن التنظيمات التي تفتقد هذا العمق سرعان ما تتلاشى مهما امتلكت من السلاح.

 

بالنسبة لإسرائيل فهي تنظر إلى هذا التطور المستجد بقدر كبير من القلق لسبب بسيط وهو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك جيداً أن أخطر ما يمكن أن تواجهه ليس جيشاً نظامياً معروف البنية وإنما مقاومة شعبية محلية مسلحة تدافع عن كرامتها وارضها وتتحرك داخل بيئة اجتماعية حاضنة وتملك القدرة على تنفيذ عمليات استنزاف محدودة ومتكررة.

 

التقارير الإسرائيلية المتعددة لم تركز كثيراً على حجم الحركة وإنما على احتمال تحول الجنوب السوري إلى نسخة جديدة من بيئات المقاومة التي عرفتها إسرائيل سابقاً سواء في جنوب لبنان أو الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث تبدأ العمليات محدودة ثم تحولت مع الزمن إلى معادلة مقاومة وردع حقيقية بات يصعب احتواؤها بالقوة العسكرية وحدها.

 

وفق هذا التصور إن أي عملية قتل او إصابة مستقبلية يتعرض لها جنود إسرائيليون على غرار ما جرى خلال الاحتكاكات التي شهدتها بعض قرى الجنوب السوري ومنها محيط بيت جن ومناطق أخرى وإن كانت محدودة عسكرياً فإن أثرها النفسي والسياسي أكبر بكثير من نتائجها الميدانية لأنها تعني أن الوجود الإسرائيلي لم يعد يتحرك داخل بيئة آمنة ومسيطر عليها وأن كل توغل قد يتحول إلى مواجهة مباشرة مع السكان المحليين. يبقى السؤال الأكثر حساسية هو موقف الحكومة السورية الجديدة التي قد تجد نفسها أمام معادلة معقدة للغاية فإذا سمحت للحركة بالنشاط بحرية فإنها قد تدخل في مواجهة سياسية وأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وربما تتعرض لضغوط دولية باعتبار أنها تسمح بعمل فصائل مسلحة خارج إطار الدولة وأما إذا قررت ملاحقة الحركة واعتقال عناصرها فإنها قد تصطدم بحالة شعبية ترى أن مقاومة الاحتلال حق وطني لا يمكن تجريمه خاصة في ظل استمرار الاحتلال وتوسعه داخل الأراضي السورية.

 

في هذا الواقع المختلط قد تلجأ دمشق إلى سياسة وسطية تقوم على عدم الاعتراف الرسمي بالحركة وعدم إعلان الحرب عليها في الوقت نفسه مع مراقبة نشاطها عن قرب ومحاولة احتواء عناصرها أو دمجهم لاحقاً ضمن تشكيلات أمنية أو عسكرية نظامية إذا ما استقرت الأوضاع بشكل افضل . ضمن التحليل الموضوعي لهذه الحالة المربكة لا يمكن أيضاً استبعاد احتمال وجود تفاهمات امنية غير معلنة تسمح للحركة بالتحرك ضمن سقوف معينة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة مع إسرائيل وفي الوقت نفسه تبقي ورقة الضغط الشعبية قائمة بوجه الاحتلال.

 

قد يرى البعض ان هناك بعد آخر لا يقل أهمية يتعلق بإعادة بناء الجيش السورففي الوقت الذي تعيد فيه دمشق هيكلة المؤسسة العسكرية ضمن خمسة فيالق جديدة فإن الجنوب يبقى القطاع الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل وهو ما يعني أن أي تصاعد لنشاط المقاومة الشعبية فيه قد يتقاطع مستقبلاً مع تطور قدرات الجيش السوري نفسه إذا اكتملت عملية إعادة بنائه. ومن زاوية استراتيجية أوسع فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام مفارقة غير محسوبة بانه كلما توسعت في احتلال الأراضي السورية وفرض الوقائع الجديدة ازدادت احتمالات ولادة تنظيمات مقاومة جديدة لأن الاحتلال بطبيعته ينتج مقاومة بينما لا تستطيع القوة العسكرية وحدها القضاء على الدوافع السياسية والاجتماعية التي تدفع المجتمعات إلى حمل السلاح.

 

ربما واقعيا قد لا تكون حركة ردع الاحتلال هي أخطر ما يواجه إسرائيل اليوم وإنما قد تكون مجرد البذرة الأولى لتحول أكبر يعيد الجنوب السوري تدريجياً إلى دائرة الصراع المباشر بعد سنوات طويلة من الهدوء النسبي سيما وإن التاريخ يعلمنا أن حركات المقاومة لا تُقاس في لحظة ولادتها ولا بعدد مقاتليها ولا بكمية أسلحتها وإنما بقدرتها على التعبير عن المزاج الشعبي وتحويل حالة الغضب إلى مشروع سياسي وعسكري مستدام .

 

قد يكون من الانصاف والمنطق القول انه إذا كان من المبكر الجزم بأن حركة ردع الاحتلال ستنجح في تحقيق أهدافها الا إن من الخطأ أيضاً التقليل من دلالات ظهورها لأن ولادتها تعكس حقيقة يصعب تجاهلها وهي أن التوسع الإسرائيلي في الجنوب السوري بدأ يولد ردود فعل منظمة بعد أن ظل لفترة يواجه احتجاجات شعبية متفرقة.

 

ختاما : في تقديرنا ان السؤال الحقيقي الذي ينبغي التركيز عليه اليوم ليس ما إذا كانت هذه الحركة ستستمر أم لا بل كم حركة أخرى ستولد بعدها إذا استمرت إسرائيل في فرض الوقائع الميدانية الجديدة داخل الأراضي السورية مع ضرورة استرجاع الفهم الادراكي بان التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتلال يستطيع السيطرة الأرض لكنه لا يستطيع مطلقا احتلال إرادة الشعوب إلى الأبد. كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]




عدد المشاهدات : (1913)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :