جودة البحث العلمي: هل نكتب لنترقى أكاديميًا أم لترتقي الأوطان بالمعرفة؟


رم -

في كل مرة تُنشر فيها مؤشرات جديدة عن البحث العلمي، تتجه الأنظار عادةً لعدد الأبحاث المنشورة، وعدد الاستشهادات العلمية، وترتيب الجامعات عالميًا، لكن ثمة مؤشر آخر بدأ يفرض نفسه بقوة خلال السنوات الأخيرة وهو عدد الأبحاث التي يجري سحبها بسبب مخالفات بحثية، وهو مؤشر لا يقيس حجم الإنتاج العلمي بقدر ما يقيس مستوى النزاهة الأكاديمية وجودة المنظومة البحثية، ومع صدور مؤشرات (Retraction Watch Database) للعام (2025) والتي أثارت اهتماما واسعا بعد ان أظهرت ترتيب الدول من حيث عدد الأبحاث المسحوبة بسبب مخالفات بحثية لكل عشرة آلاف بحث قابل للاستشهاد وهو مؤشر نسبي يختلف عن العدد الإجمالي للأبحاث المسحوبة ويعني ذلك أن الدول ذات الإنتاج البحثي الضخم قد لا تتصدر القائمة رغم امتلاكها عددًا أكبر من الأبحاث المسحوبة، لأن المؤشر يعتمد على النسبة لا على العدد المطلق.

 

وبعد كشف تلك المؤشرات عن تزايد حالات سحب الأبحاث العلمية لعشرين دولة حول العالم منها خمسة دول عربية، لم يعد التساؤل مقتصرًا على كم الأوراق البحثية التي تضخها الجامعات العربية في المستودعات الرقمية، بل امتد ليشمل سؤالاً مشروعا: هل نحن أمام نهضة بحثية، أم أمام تضخم أكاديمي يهدد مصداقية البحث العلمي؟ المشكلة تكمن في منظومة تقييم الأداء الأكاديمي، فهناك الكثير من الجامعات حول العالم، تعتبر عدد الأبحاث المنشورة أحد أهم معايير التعيين والترقية والحصول على التمويل والاعتراف الأكاديمي، وهذا ما أفرز ثقافة تعرف عالميًا باسم (انشر أو اندثر) وفي ظل هذه الثقافة تحول النشر العلمي من وسيلة لإنتاج معرفة جديدة واضافة قيمة إلى سباق محموم لزيادة الأرقام الوهمية، ونتيجة لتزايد الضغوطات الاكاديمية قد يلجأ بعض الباحثين في مختلف دول العالم إلى ممارسات تخالف أخلاقيات البحث العلمي مثل التلاعب بالبيانات، أو شراء أبحاث جاهزة، أو النشر في مجلات ضعيفة أو مضللة، أو اللجوء إلى ما يعرف بمصانع الأوراق البحثية (Paper Mills) التي تنتج أبحاثًا مقابل المال، وهي ظاهرة أصبحت موضع اهتمام متزايد من الجامعات ودور النشر العلمية على مستوى العالم.

 

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي تقود البحث العلمي ليست بالضرورة تلك التي تنشر أكبر عدد من الأوراق بل تلك التي تنتج أبحاثًا تغير الواقع في الصناعة، والطب، والاقتصاد، والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات، فعلى سبيل المثال براءة اختراع واحدة قد تكون أكثر تأثيرًا من مئات الأوراق البحثية، وخير مثال على ذلك ألبرت أينشتاين لم ينشر مئات الأوراق لإثبات عبقريته فقد نشر (4) أوراق علمية فقط غيرت فهمنا للكون والفيزياء، وأسست للنظرية النسبية ومفهوم تكميم الضوء، وبالتالي فأن دراسة علمية رصينة واحدة تعالج مشكلة وطنية قد تترك أثرًا يفوق عشرات الدراسات التي لا تتجاوز رفوف المكتبات أو قواعد البيانات، ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجامعات العربية: لم يعد كم بحثًا نشرنا هذا العام؟ بل ما الذي غيرته أبحاثنا في المجتمع والاقتصاد والسياسات العامة؟

 

وعلى الصعيد المحلي وفيما يتعلق بالأردن الذي يعد منارة علمية على مستوى الإقليم، البلد الذي يمتلك بنية بحثية قوية وعقولاً فذة، فإن ظهوره ضمن هذا المؤشر يجب أن يُقرأ بوصفه فرصة للمراجعة والتطوير لا سبب للتشكيك بالجامعات أو الباحثين، فالأردن ليس بمنأى عن هذا التحدي العالمي، وبالتالي يجب الحذر من التوجه المفرط نحو الأبحاث الكمية التي تضمن سرعة النشر في المجلات ذات المعامل التأثيري العالي وغالباً ما يأتي ذلك على حساب الأبحاث النوعية التي تتطلب ووقتاً طويلاً، وتمويل مستدام، وعمق تجريبي يخرج عن نطاق الأوراق النظرية إلى رحاب التطبيق الميداني، فالجامعات الأردنية الحكومية والخاصة على حد سواء تمتلك تاريخًا أكاديميًا يشهد له القاصي والداني، وكفاءات علمية أسهمت في رفد المكتبة العربية بأبحاث رصينة في عدة مجالات منها الطب والهندسة والعلوم والإدارة وغيرها، لا سيما اننا في مرحلة تتطلب الدقة والجدية من اجل الحفاظ على هذه المكانة من خلال التطوير المستمر لمنظومة البحث العلمي خصوصًا اننا ضمن نطاق منافسة دولية متسارعة، مع تشدد المجلات العالمية في تطبيق معايير النزاهة الأكاديمية، عداك عن تزايد قدرات أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي على اكتشاف الانتحال والتلاعب بالبيانات ومصداقية التحليل.

 

ختاما، إن التوجه نحو الأبحاث النوعية يعد خيارًا منطقيًا مع ضرورة التنويه الى أن مثل هذا النوع من الأبحاث يتطلب جهدًا مضاعفًا من خلال الاستثمار بالقدرات البحثية المحلية عبر التدريب على منهجيات البحث النوعي، وتشجيع الدراسات متعددة التخصصات، وتعزيز الوصول إلى قواعد البيانات العالمية، وتوفير تمويل تنافسي للأبحاث ذات الأولوية الوطنية، تلك خطوات تسهم في رفع جودة الإنتاج العلمي وترسيخ الثقة به، ولهذا يجب علينا ان نكون على يقين تام، بأن بحثاً واحداً رصيناً يحدث تغييراً حقيقياً في حياة الشعوب أفضل من مئات الأبحاث التي توضع في المنصات الرقمية دون إضافة تُذكر، فالوقت قد حان للانتقال من ثقافة العدد إلى فلسفة الأثر، فلا يقاس تطورنا بكم ننشر، بل بما نبتكر لزيادة أدوات التنمية. د. علاء عباس الطهراوي




عدد المشاهدات : (782)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :