رم - أ.د. علي حياصات
(1): جمهور بين الحب القاسي والنقد المستعجل
الجمهور الأردني حالة تستحق الدراسة بحد ذاتها، فهو من أكثر الجماهير إخلاصًا عندما يحب، ومن أكثرها قسوة عندما يغضب. قبل المباراة يصبح الجميع مدربين وخبراء تكتيك، وبعدها يتحول نصف الشعب إلى لجنة فنية، ونصفه الآخر إلى لجنة تحقيق. وبين المديح المفرط والجلد المفرط تضيع أحيانًا حقيقة بسيطة، هذا المنتخب ابن هذا المجتمع بكل ما فيه من تباينات، يعكس آماله وخيباته، شغفه وتقلباته. ومن يحب المنتخب حقًا لا يكتفي بالتصفيق عند الفوز، بل يعرف كيف ينتقد دون أن يهدم كل شيء عند التعثر، مدركاً أن النقد البناء هو جزء من الحب، لا نقيض له.
(2): الأردن الحقيقي ظهر في المدرجات والساحات العامة
ربما كانت أجمل صورة في البطولة ليست هدفًا ولا نتيجة، بل ذلك الإجماع الشعبي الواسع خلف النشامى. فقد تراجعت التصنيفات والهويات الضيقة، وبدا وكأن الجميع يتحدث بلغة واحدة ويرفع الراية نفسها. وهذه المشاهد تقول عن الأردن أكثر مما تقوله عشرات الندوات والخطابات والنقاشات النظرية حول الهوية الوطنية الجامعة والانتماء. فالوطنية ليست نصًا يُكتب، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل شعور جماعي يظهر تلقائيًا عندما يجد الناس ما يجمعهم، لحظة تتجلى فيها الروح الجمعية بعيداً عن تعقيدات الحياة اليومية. وما حدث خلف المنتخب كان، في جوهره، سردية أردنية حقيقية كُتبت بالفعل لا بالتنظير، تؤكد أن الهوية الوطنية الجامعة ليست حلماً بعيد المنال، بل واقعاً يكمن في تفاصيلنا المشتركة.
(3): موسم المنظّرين
مع كل نجاح مُجتمعيّ يطلّ موسم المنظّرين، وكأن بعضنا لا يستطيع التعامل مع أي إنجاز إلا باعتباره فرصة لإثبات أنه الأسبق فهمًا والأدق تحليلًا. فبدل أن يكون الحدث مناسبة يلتقي الناس حولها، يتحول عند البعض إلى منصة لتسجيل المواقف وإعادة تقديم الذات، حتى أن بعض الأصوات التي تتصدر المشهد اليوم لم تترك في تجاربها السابقة ما يبرر هذا القدر من اليقين، لكنها تجد في كل نجاح جماعي فرصة لإعادة تقديم نفسها. وبينما كان المنتخب منشغلًا بما يقدمه داخل الملعب، كان آخرون منشغلين بما يحققونه خارجه. هناك من كان يلعب من أجل الوطن، وهناك من كان يلعب من أجل الخوارزميات وأعادة تلميع الذات، وبين اللعبتين مسافة كبيرة لا تقاس بالنتائج، بل بالغاية من المشاركة نفسها.
(4): خاتمة الخرابيش
في النهاية، لن يتذكر الناس بعد سنوات تفاصيل كل مباراة، ولا أسماء كل من نظّر وانتقد ورفع سقف التوقعات أو خفّضه. ما سيبقى هو ذلك الشعور الجمعي الذي جعل الأردنيين، يقفون في صف واحد خلف علم واحد وحلم واحد. وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي قدمه النشامى في هذه البطولة، أن المجتمع الذي يستطيع أن يجتمع حول فرحة وطنية صادقة ما زال يمتلك ما يكفي من القوة ليختلف دون أن ينقسم، وينتقد دون أن يهدم، ويحلم رغم كل ما يحيط به من ضجيج.