من النظرية إلى التطبيق: مبادئ هنري فايول في أروقة الإدارة العربية مجددًا


رم -

في زمن تسارعت فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وارتفع فيه سقف توقعات المواطنين من المؤسسات الحكومية، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في أسس الإدارة التي تقوم عليها المؤسسات العامة، وبينما تتجه الأنظار غالبًا نحو التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي باعتبارها أدوات التطوير الأساسية، فإن الحقيقة التي يؤكدها خبراء الإدارة تتمثل في أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع مؤسسة ناجحة، بل إن الإدارة الرشيدة تظل حجر الأساس لأي عملية تطوير مستدامة، وهذا يستدعي ان نستذكر ما جاء به رائد الفكر الإداري الفرنسي هنري فايول ومبادئه الأربعة عشر قبل أكثر من قرن من الزمان، حيث لم يكن يسطّر مجرد قواعد نظرية جامدة، بل كان يصيغ دليل حركي ناتج عن خبرة عملية طويلة وممتدة في إدارة المؤسسات الصناعية المعقدة، حيث أدرك فايول مبكراً أن نجاح أي منظمة لا يرتبط بوفرة مواردها المادية فحسب، ولكن يرتكز بالأساس على بناء نظام إداري متكامل يحقق الانسجام التام بين الأفراد والأهداف، واليوم، وفي ظل سعي الحكومات العربية الحثيث نحو تحديث قطاعاتها العامة والتخلص من تركات الترهل الإداري، تبدو العودة إلى هذه المبادئ الكلاسيكية بمثابة طوق نجاة وإطار عمل متكامل لتوجيه الجهود البشرية نحو تحقيق الكفاءة والإنتاجية، ورغم أن هذه المبادئ وُلدت في بيئة صناعية مختلفة عن واقعنا المعاصر، فإن جوهرها الإنساني والتنظيمي ما يزال صالحًا للتطبيق، بل إن العديد من التحديات التي تواجه الادارة في العالم العربي تجعل من العودة إليها ضرورة أكثر منها خيارًا، لا سيما انها تشهد خلال السنوات الأخيرة جهودًا واسعة للتحديث والتحسين لجودة الخدمات وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي، إلا أن بعض التحديات التقليدية ما زالت حاضرة بدرجات متفاوتة، مثل تعقيد الإجراءات، وتداخل الصلاحيات، وبطء اتخاذ القرار، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة كفاءة وتنظيمًا، والعمل على إسقاط هذه المبادئ على واقع الإدارة العربية يعيد إحياء مفهوم هندسة الكفاءة، ويوضح الفجوة بين النص والتطبيق من خلال جملة من الأبعاد الرئيسة تتمثل في: التوجه لهيكلة المهام وضبط الصلاحيات وذلك من خلال العمل على تقسيم العمل على اعتبار ان هذا المبدأ يمثل أساس التخصص الوظيفي؛ فعندما يركز الموظف الحكومي على مهمة محددة تناسب قدراته وتخصصه، تزداد مهارته وخبرته فيها، مما يضمن تحسين جودة الأداء وتقليل الوقت والجهد المهدورين، فضلاً عن خفض معدل الأخطاء وزيادة سرعة الإنجاز التي يطالب بها المواطن العربي يومياً في المعاملات الرسمية، اضف لذلك العمل بأسلوب ان يكون هناك تناغم وتناسب السلطة والمسؤولية فالمعضلة الكبرى في بعض الإدارات العربية تتمثل في غياب التوازن؛ إذ لا يمكن تحميل الموظف مسؤولية معينة دون منحه الصلاحيات اللازمة لتنفيذها. إن تحقيق هذا التوازن يعزز مبدأ المساءلة الفردية، ويحسن جودة القرار، ويمنع الفوضى أو التهرب من المسؤولية، وصولا الى مستوى معين من التدرج بالسلطة: يشير هذا إلى ضرورة وجود سلسلة واضحة ومفهومة من العلاقات الإدارية تبدأ من الإدارة العليا وتنتهي بالمستويات التنفيذية، مما يضمن وضوح قنوات الاتصال، ويسهل الإشراف والرقابة، ويمنع تضارب الاختصاصات بين الدوائر المختلفة. أضف لذلك ضرورة الالتزام بالتوجيه والالتزام التنظيمي وذلك من خلال وحدة الأمر بمعنى أن يتلقى الموظف أوامره من رئيس مباشر واحد فقط وذلك لتجنب الارتباك وتضارب التعليمات الناتج عن تعدد مصادر التوجيه، وهو أمر تعاني منه بعض الهياكل الحكومية المتداخلة. كما ان هناك أهمية لوحدة التوجيه والتي تتمثل بخضوع الأنشطة المتشابهة لخطة واحدة ومدير واحد. وبخلاف وحدة الأمر الفردية، ويركز هذا المبدأ على تنسيق الأنشطة التنظيمية لمنع ازدواجية العمل وتحقيق التكامل بين الأقسام، وفيما يتعلق بالانضباط وهنا لابد من الإشارة الى انه لا يتحقق الالتزام بالقوانين واللوائح عبر التلويح بالعقوبات فقط، بيد انه يتطلب وضوح القوانين وعدالتها، ووجود قيادة واعية تحظى باحترام وثقة العاملين، مما يضمن سير العمليات بكفاءة واستقرار، إخضاع المصلحة الفردية للمصلحة العامة: نجاح الإدارة العامة مرهون بتقديم مصلحة المؤسسة والمجتمع على المنافع الشخصية الضيقة، وهو المبدأ الذي يعزز روح الانتماء المؤسسي ويحد من الصراعات الداخلية والمحسوبية. كما ان فايول لم يتجاوز بيئة العمل والتحفيز للإنسان عبر التعويض ومكافأة العاملين ومنح الموظفين أجوراً ومكافآت عادلة مادية ومعنوية تتناسب مع جهودهم هو المحرك الأساسي للرضا الوظيفي والدافعية نحو الإنجاز، وهو الكفيل بجذب الكفاءات العالية للم القطاع العام والمحافظة عليها، والمساواة والعدالة حيث اكد على معاملة الجميع باحترام ودون تمييز؛ فالعدالة التنظيمية تبني جسور الثقة بين الإدارة والموظفين، وترفع مستوى الولاء، وتقلل النزاعات البيئية داخل العمل، وهذا سيؤدي الى استقرار الموظفين في العمل عبر تقليل معدل الدوران الوظيفي بالعمل وهذا يسهم في تراكم الخبرات والمعارف التخصصية داخل الجهاز الحكومي، ويقلل من نفقات إعادة التوظيف والتدريب المستمر وينتج عن هذا الوصول للإدارة الحديثة تشجيع المبادرة لدى الموظفين وتحفيزهم على تقديم الأفكار والمقترحات والمشاركة في حل المشكلات، مما ينمي البيئة الابتكارية ويشعر الفرد بقيمته ودوره في تطوير العمل العام. وأخيرا تناول فايول التوازن والروح الجماعية من خلال الإشارة لدرجة المركزية ويرى ان اختيار مستوى المركزية يعتمد على ظروف المؤسسة؛ وفي حين قد تحتاج الهيئات الحكومية الكبرى إلى قدر من اللامركزية لتسريع اتخاذ القرار وتفويض الصلاحيات، فإن المركزية قد تظل مطلوبة في البيئات التي تستلزم رقابة مشددة وضبطاً صارماً، مع ضرورة التأكيد على اتباع النظام ويعني وضع كل شيء سواء الموارد البشرية أو المعدات والمواد في المكان المناسب والصحيح، مما يضمن تقليل الهدر وتحسين الكفاءة التشغيلية اليومية، لتنمية روح العمل الجماعي وهو المبدأ الختامي والركيزة الأهم؛ فالتعاون والتنسيق يخلقان فريقاً متماسكاً قادراً على مواجهة التحديات بجهد تكاملي يتفوق بمراحل على الجهود الفردية المتفرقة، مما يعزز الثقة المتبادلة ويرفع مستوى الأداء المؤسسي ككل. وفي نهاية المطاف نجد ان إن مبادئ هنري فايول الأربعة عشر ليست إرثاً من الماضي لتدرس في الجامعات فحسب، ولكنها تمثل بوصلة إدارية شديدة الواقعية والجاذبية، بما إن الإدارة في عالمنا العربي تواجه تحديات التحديث الشامل، لتجد في هذه المبادئ سبيلا ودليلاً تطبيقياً رصيناً، فالعبرة ليست في ابتكار نظريات معقدة، بل في العودة إلى الأصول التنظيمية الصحيحة، وتطبيقها بوعي يحقق التوازن بين ضبط القواعد وإطلاق طاقات الإنسان. د. علاء عباس الطهراوي




عدد المشاهدات : (891)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :