رم - بقلم: أ.د. خالد واصف الوزني
أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
المشهد العالمي منذ بداية الحرب العالمية التجارية الأولى بين الولايات المتحدة والصين بدأ يتجسَّد بشكل واضح في اضطرابات اقتصادية متعددة، انعكس جُلّها على مستوى المعيشة في العديد من دول العالم المتقدم قبل النامي. يأتي ذلك بعد أن عاش العالم المتقدم، منذ موجة الانفتاح الاقتصادي والعولمة الاقتصادية، متمتعاً بمغانم استمرت على مدى ما يقرب من أربعة عقود، انفتحت خلالها آفاق نوعية نحو الإنتاج الأكثر كفاءة والأقل كلفة، ونتج عنها انخفاض أسعار السلع، واتساع التجارة الدولية، وتحسُّن مستويات المعيشة في العديد من الاقتصادات، ليس فقط بسبب تحريك عجلة النمو الاقتصادي وتخصيص الموارد الاقتصادية بشكل تنافسي، بل بما شهدته تلك الحقبة من ضبطٍ نسبيٍّ في مستويات التضخُّم.
التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، التي امتدت خارج نطاقها التقليدي لتصل إلى مضيق هرمز ضاربةً بعنفٍ سلاسلَ الإمداد الرئيسية عالمياً، جعلت العديد من الدول تبحث عن مَخرجٍ أساسُه الأمنُ الاقتصادي، والاعتماد على الذات، وإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية، والسعي الحثيث نحو بدائل الطاقة التقليدية. في خضمِّ هذا التحوُّل عادت الرسوم الجمركية إلى الواجهة، فبعد أن كانت تُعَدُّ أداة تقليدية من أدوات الحماية التجارية، أصبحت اليوم جزءاً من استراتيجيةٍ أوسعَ لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية العالمية. غير أنَّ هذه السياسة تطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً: مَن يدفع ثمن الحماية؟
نظرياً، يظهر الهدف من الرسوم الجمركية على أنه حماية الصناعات المحلية وتعزيز فرص العمل الوطنية. إلا أنَّ الواقع الاقتصادي يشير إلى أنَّ جزءاً كبيراً من هذه الرسوم ينتقل في النهاية إلى المستهلك على شكل أسعار أعلى للسلع والخدمات. فكلما ارتفعت كلفة الاستيراد، ارتفعت كلفة الإنتاج، وكلما ارتفعت كلفة الإنتاج انعكس ذلك على الأسعار النهائية. وهنا تأتي المفارقة؛ فبينما تسعى الحكومات إلى تعزيز أمنها الاقتصادي وتقليل اعتمادها على الخارج، فإنها قد تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً تضخُّمية متزايدة. وبذلك تُصبح الرسوم الجمركية، بشكل غير مباشر، أحد مصادر التضخُّم الجديد.
بيد أنَّ الأمر اليوم لا يقتصر على ما تتأثر به الولايات المتحدة أو الصين. فالعالم بأسره يشهد تحوُّلات مشابهة، سواء من خلال سياسات إعادة توطين الصناعات، أو بناء سلاسل إمداد بديلة، أو فرض قيود تجارية متبادلة. وهذه السياسات، رغم أهميتها الاستراتيجية، تحمل في طياتها كلفة اقتصادية لا يمكن تجاهلها. ما نشهده اليوم ليس مجرَّد حرب تجارية عابرة، بل إعادة رسمٍ لخريطة الاقتصاد العالمي، فالعالم ينتقل تدريجياً من مرحلة كانت الأولوية فيها للكفاءة وخفض التكاليف، إلى مرحلة أصبحت الأولوية فيها للأمن الاقتصادي وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
ختاماً، قد لا تكون الرسوم الجمركية هي السبب الوحيد للتضخُّم، لكنها أصبحت أحد العوامل المؤثِّرة فيه بصورة محورية متزايدة. والسؤال الذي سيواجه صنّاع القرار خلال السنوات المقبلة ليس فيما إذا كانوا سيواصلون حماية اقتصاداتهم، بل إلى أيِّ مدى ستكون مجتمعاتهم مستعدة لتحمُّل الكلفة الاقتصادية لهذه الحماية؟!