رم - ️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ كَيْفَ يَكْتُبُ الأَنْبِيَاءُ عليهم السلام مِنْ جِرَاحِهِمْ تَوَارِيخَ مِيلَادِنَا.
️ قَالَ مصطفى صادق الرافعي: «وَكَانَتْ خُطُوَاتُهُ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ تَخُطُّ فِي الأَرْضِ، وَمَعَانِيهَا تَخُطُّ فِي التَّارِيخِ».
️ أَرَّخَ عمر بن الخطاب التَّارِيخَ بِالْهِجْرَةِ، وَلَمْ يُؤَرِّخْهُ بِمِيلَادِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّنَا أُمَّةُ عَمَلٍ وَبَذْلٍ، لَا أُمَّةُ ذِكْرَيَاتٍ وَحَوَادِثَ.
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَارًا مِنَ الْمَعْرَكَةِ الْفِكْرِيَّةِ، بَلْ تَوْسِيعًا لِدَائِرَةِ الدَّعْوَةِ وَالتَّأْثِيرِ.
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ أَنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَى رَفِيقٍ صَالِحٍ، وَلَوْ كُنْتَ نَبِيًّا.
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ أَنَّ اللُّجُوءَ إِلَى اللهِ وَطَلَبَ الدُّعَاءِ نَجَاةٌ مِنْ كَيْدِ الأَعْدَاءِ؛ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الأَذَى فِي الطَّائِفِ، لَجَأَ إِلَى رَبِّهِ ضَارِعًا:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي…».
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ الثِّقَةَ بِنَصْرِ اللهِ وَحِفْظِهِ، فَلَمَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: «لَوْ نَظَرُوا إِلَى مَوْضِعِ أَقْدَامِهِمْ لَرَأَوْنَا»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ بَثَّ رُوحِ التَّفَاؤُلِ وَالأَمَلِ فِي أَشَدِّ اللَّحَظَاتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسُرَاقَةَ: «كَيْفَ بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟».
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ الثَّبَاتَ عَلَى الْمَبْدَإِ وَعَدَمَ الْمُسَاوَمَةِ عَلَى الْحَقِّ، حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْمُلْكُ وَالْمَالُ، فَقَالَ ﷺ: «يَا عَمِّ، وَاللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ».
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ لولا الصَّبْر وَالْفِدَاء وَالتَّضْحِيَة فَمَا فُتِحَتِ الأَنْدَلُسُ، وَلَا انْتَشَرَ الإِسْلَامُ، إِلَّا بِصَبْرِ الصَّابِرِينَ وَتَضْحِيَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ».
وَفِدَاءُ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَبَذْلُ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه نَفْسَهُ وَمَالَهُ.
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ أَنَّ الْوَطَنَ مَوْطِنُهُ الْقَلْبُ، فَمَكَّة بَقِيَتْ فِي ضَمِيرِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَنِينًا وَشَوْقًا، وَهُوَ يُوَدِّعُهَا قَائِلًا: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ».
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ أَنَّ بِنَاءَ الأَوْطَانِ يَحْتَاجُ إِلَى قُلُوبٍ مُؤْمِنَةٍ وَرِجَالٍ مُخْلِصِينَ، وَقَدْ ضَرَبَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي الأُخُوَّةِ وَالإِيثَارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ أَنَّ مِنْ أَرْوَعِ الْعَطَايَا أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ كُلُّهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ؛ بَيْتُ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه: أَبٌ يُرَافِقُ الْحَبِيبَ ﷺ، وَأُمٌّ تَتَعَهَّدُ الْبَيْتَ، وَابْنٌ يَأْتِي بِالأَخْبَارِ، وَبِنْتٌ تَحْمِلُ الزَّادَ إِلَى الْغَارِ. مَا أَعْظَمَهُ مِنْ بَيْتٍ!
️ عَلَّمَتْنَا الهِجْرَةُ أَنَّ التَّخْطِيطَ السَّلِيمَ، وَالأَخْذَ بِالأَسْبَابِ، وَالإِعْدَادَ الْمُحْكَمَ، مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ؛ فَلَمْ تَقُمْ هِجْرَتُهُ ﷺ عَلَى رَدَّاتِ فِعْلٍ عَشْوَائِيَّةٍ، بَلْ عَلَى إِحْكَامِ السِّرِّيَّةِ، وَاخْتِيَارِ الرَّفِيقِ الصَّالِحِ، وَالْدَّلِيلِ الْمَاهِرِ، وَالطَّرِيقِ الْآمِنِ، وَتَوْزِيعِ الأَدْوَارِ وَالْمَهَامِّ؛ حَتَّى تَحَقَّقَ النَّصْرُ وَقَامَتِ الدَّوْلَةُ.
الْهِجْرَةُ لَيْسَتْ ذِكْرَى نَسْتَحْضِرُهَا، وحَدَثًا يُرْوَى، بَلْ مَنْهَجٌ يُحْيِي الْقُلُوبَ، وَيُعَلِّمُنَا الإِيمَانَ، وَالصَّبْرَ، وَالتَّفَاؤُلَ، وَالثِّقَةَ بِاللهِ، وَحُسْنَ التَّخْطِيطِ لِصُنْعِ الوطن والْمُسْتَقْبَلِ.
️د. نشأت نايف الحوري