رم - دعاء الموسى
شتان بين شرقٍ يرفع الرأس ويبهر العالم، وغربٍ يتخبط في عشوائيته ويهين صنّاع المتعة، في عام 2022، وقفت دولة قطر شامخة أمام أعتى الحملات المشبوهة، وردّت على المشككين بنسخة مونديالية استثنائية لم تكن مجرد بطولة كرة قدم، بل كانت ملحمة تنظيمية صاغت بها الدوحة معايير جديدة للاتحاد الدولي والمنظومة الكروية بأسرها.
شهدت الملاعب القطرية انسيابية مطلقة، وحظيت المنتخبات المشاركة بظروف مثالية، وأجمعت الجماهير من كل حدب وصوب على أن ما عاشوه في ملاعب المونديال كان تجربة حضارية فاخرة غلفتها كرامة الإنسان وحسن الضيافة، لتكسب قطر إشادات عالمية وتاريخية حفرت اسم العرب بمداد من ذهب في السجل الرياضي العالمي.
أما اليوم، ونحن على أعتاب المونديال الذي تتقاسمه ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فإن القناع الحضاري المزيف قد سقط قبل أن تبدأ ركلة البداية، لتتحول كواليس التحضيرات إلى مسرح من الفوضى والبدائية التي لا تليق بحدث عالمي.
لقد تحولت مطارات الملاعب ومداخلها إلى ثكنات عسكرية تمارس أساليب تفتيش مبالغًا فيها بشكل لا يطاق، لم يسلم منها حتى نجوم المنتخبات العالمية الذين عوملوا بطرق مهينة وغير حضارية، واضطروا لانتظار ساعات طويلة في أروقة المطارات في مشهد يعكس غياب التخطيط وضياع بوصلة التنظيم.
ولم تتوقف الكارثة عند حدود الإجراءات الأمنية القمعية، بل امتدت لتضرب صلب اللعبة؛ حيث استفاقت المنتخبات على صدمة الملاعب الأمريكية ذات الأرضيات السيئة التي لا تصلح حتى للمباريات الودية، مما دفع بفرق عريقة إلى إلغاء تدريباتها خوفاً على سلامة لاعبيها من الإصابات القاتلة، ناهيك عن سوء المرافق الرياضية التي تم تخصيصها للمنتخبات، والارتفاع القياسي في درجات الحرارة الذي تسبب في إعاقة التدريبات وإرهاق اللاعبين دون وجود أدنى حلول لوجستية أو جدولة ذكية تحمي عناصر اللعبة.
إن هذه المفارقة الصارخة تثبت بالدليل القاطع أن الإمكانيات المادية والشعارات البراقة للدول الكبرى تسقط وتتهاوى أمام الإرادة والإدارة القطرية الحقيقية التي احترمت الرياضة وبنت للإنسان مجداً يتغنى به التاريخ، بينما يتخبط الغرب اليوم في التنظيم البدائي.