رم - حدث سعيد!!
أفقتُ فجرا، وكعادة مُدمني تصفح (الفيس بوك) باكرا، وما إن نقرتُ بسبابتي شاشتي الزرقاء ، وبعد ليلة ممطورة بالكوابيس المزعجة إثر عشاء متأخر، لا من مجموعة طيبات العوضي، بل من مجموعة " كلوا من طيبات ما رزقناكم" حتى قفزت من الهاتف بوجهي موسيقا عذبة عذية ندية يصاحبها عبارة كُتبت بخط أحمر عريض حدث سعيد !! حدث سعيد!! والصورة تهتزّ في حالة تشبه حصان امرئ القيس " مفرّ مكرّ مُقبل مدبر معا"
ضحكتُ من هذا الحدث السعيد، ظنّا منّي بأنني قد وقعت في مصيدة بعض المحتالين إلكترونيا، فلم أعِر الرسالة أيّ انتباه وتغاضيت عنها ، في فهلوة الحاذق العارف بأسرار التكنولوجيا، بعد أن تحسّست بطاقة الصّراف الكالحة اللون من أثر الرطوبة، لا من أثر السيولة، وقد أصابتني نشوة الانتصار على ما كنتُ أظنّه عدوا خفيا يستدرجني ويستغبيني لينال مني بألاعيبه الذكيّة ومحاولاته الغبية.
قرصتُ أذن الهاتف اليمنى بأصبعي المجاور للسبابة، بعصبية واضحة، عرف بعدها أحد أبنائي ما بي من نزق واضح للعيان وتأفف وضجر من تلكم الرسائل المزعجة التي لا تقل تنغيصا على المرء من كوابيس آخر الليل، فضحك ضحكة عميقة بلا ميعاد، وأخذ يردد (هابي بيرث دى تو يو) فصرختُ في وجهه ( هابي بيرث دى تو يو أنا) ؟ قال ،بلهجة ممزوجة بطرافة صبيانية، نعم، أنت... أنت !! إنه يذكرك بأنّ هذا اليوم، هو ذكرى يوم مولدك السعيد . (السعيييييييد!!) فسقط هذا العاجل الإخباري كالنصل على القلب ما تعجز الحروف عن وصفه . آهِ ! كم كنت جاهلا حين قدّمت للفيس الوسواس معلوماتي الخاصّة ليفسفس بها على الملأ !!
عندها سرت وتسلّلت قشعريرة ونسمة تشرينية باردة إلى عروقي، وتخشّبت عقودٌ سبعة أمام ناظريّ كساعة كفّت عن الدوران ، أو كقطِ بسبعة أرواح، أو كشريط سينمائي قصير مُمنتج، بطله طفلٌ من أحد أحياء الزرقاء، مدينة الغباروالشمس في خمسينيّات القرن الفارط ، فاستيقظت الطفولة بكل تجلياتها وشقاوتها وتفاصيلها المهمّشة من ثقوب ذاكرة تلك البقعة الترابية المُلاصقة لمُنخل نافذتنا الغربيّة التي ترتفع أشبارا عن سطح الأرض من الخارج، والسقف المرفوع من (قصيب) سيل الزرقا، والبيت المبني من الطوب الطيني المشوي المخلوط بالتبن! والزواريب الضيقة التي تنادي بلسان نزار قباني: يا زواريب حارتي خبئيني بين جنبيك فالزمان ضنين
يا للعجب ! كيف ظهرت فضاءات هذا المكان عارية بعد سبعين عاما وكأنها البارحة ! ما الذي استدعى ذاكرة المكان الطفولية فانثالت كالسيل ؟ : لعبة (القرطة والقلول والسبع حجار والكومستير وحلاوة أسعد وقراقيش عبود وعنبر الحاج درويش وكعك وبيض الخليلي وبرّاد أبو السعيد وكنافة القاضي وطائرات الورق والعجين والسينما الصيفية التي بلا سقف المحاذية لسكة الحديد وسينما سلوى والحمرا والنصر وريكس وتذاكر دخولها بثلاثة قروش ونصف، والحاووز وشارع السخنة وقصر شبيب، وأطفال الحارة الذين جلّهم من أبناء المعسكر. صورٌ ملونة تتقافز أمامي بالأبيض والأسود تمرُّ عجلى، لكنّها ستبقى محفورة في الأحشاء والذاكرة وملء العين، وأنّى لطفل في السبعين من عمره أن ينساها! هيهات... هيهات . وللحديث بقية ...