رم - د . مهدي مبارك عبد الله
في خضم التورط الامريكي الکبير في الحرب الجارية ضد ايران وافتضاح الدور المشبوه للرئيس دونالد ترامب فيها وتزايد مخاوفه من الآثار والتداعيات السلبية المحتملة في المستقبل المنظور على أوضاعه الداخلية المتوترة حيث يسعى کعادته بعنجهية وغرور إلى إظهار نفسه قويا ومتماسکا وأنه في مستوى التهديدات التي يعلنها وهذا ما يمکن لمسه تماما من تصريحه الاخرق الذي أدلى به يوم الأربعاء 27 مايو/ أيار 2026 اتجاه سلطنة عمان خلال اجتماعه بمجلس وزرائه في البيت الأبيض بحضور الصحفيين حيث قال ( المضيق سيكون مفتوحًا للجميع ولن يسيطر عليه أحد ونحن سنشرف عليه وعلى عُمان أن تتصرف مثل الجميع وإلا فسيتعين علينا تدميرهم/ نسفهم (
قبل الولوج الى التحليلي السياسي الموضوعي للحدث ما يجب فهمه بداية ان تهديد ترامب الاجوف لعُمان لم يكن مجرد كلمات عابرة خرجت في لحظة انفعال سياسي بل بدت حقيقة وكأنها تعبير صريح عن طبيعة العقلية التي باتت تتحكم في القرار الأمريكي والتي ترى أن العالم كله يجب أن يخضع لمنطق القوة والابتزاز والتهديد المباشر خاصة حين يصل الأمر برئيس الولايات المتحدة إلى التلويح بتدمير ونسف دولة عرفت تاريخيا بالحكمة والحياد والدبلوماسية الهادئة فإن ذلك يكشف حجم الانحدار والافلاس الاخلاقي الذي أصاب الخطاب السياسي الأمريكي كما يؤكد بأن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة خلافاتها إلا بلغة الاستعراض العسكري والترهيب
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن سلطنة عُمان لم تكن يوما دولة معادية للولايات المتحدة ولم تدخل في مشاريع تصعيدية ضدها بل كانت على الدوام من أكثر الدول الخليجية حرصا على منع الانفجارات الكبرى في المنطقة ومن أكثر العواصم قدرة على فتح قنوات الحوار حين تغلق أبواب السياسة وقد لعبت مسقط أدوارا تاريخية في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران وساهمت مرارا في انقاذ وإخراج الإدارات الأمريكية من أزمات معقدة كادت تتحول إلى حروب واسعة تدفع المنطقة كلها ثمنها كما سعت بفضل علاقاتها المتوازنة مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج إلى لعب دور الوسيط المحوري في صياغة ترتيبات بحرية مقبولة وتحديد نظام جديد لعبور السفن عبر مضيق هرمز
ترامب الذي يتعامل مع العالم بعقلية الصفقات والعقارات لا يبدو معنيا بكل هذا التاريخ من الوساطات والعلاقات المتوازنة وهو لا يرى الدول إلا من زاوية الطاعة المطلقة أو التمرد الذي يستحق العقاب ولهذا لم يكن مستغربا أن يهدد فنزويلا وكوبا والصين وإيران ثم يضيف عُمان إلى قائمة الدول التي يتعامل معها بعقلية الغطرسة ذاتها وكأن البيت الأبيض تحول إلى منصة لإطلاق الوعيد والإنذارات بدل أن يكون مركزا لإدارة السياسة الدولية بحكمة وحصافة
التهديد بتدمير دولة عضو في الأمم المتحدة لطالما اضطلعت بدور بناء وفعال ومسؤول في السلام والأمن الإقليميين وبذلت جهودا نبيلة في خدمة السلام والاستقرار الإقليميين كوسيط في العمليات الدبلوماسية لسنوات عديدة يعطي مؤشر خطير بان امريكا ترعي تطبيع الفوضى وتشييع التنمر في العلاقات الدولية
كما انه ليس حادثة معزولة بل هو انعكاس واضح لعقيدة سياسية أمريكية تعتبر أن أي دولة تحاول الحفاظ على قرارها المستقل أو ترفض الانخراط الكامل في المشروع الأمريكي الإسرائيلي سوف تصبح هدفا للضغط والترهيب وهذا ما يفسر الربط المتكرر بين الاتفاق مع إيران وبين ما يسمى باتفاقيات السلام الإبراهيمية حيث باتت واشنطن تستخدم ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية لفرض خرائط سياسية تخدم مصالح إسرائيل المستقبلية أولا وأخيرا
ما يزيد من فجاجة الموقف والتصريحات الأمريكية أن سلطنة عُمان ليست كيانا طارئا على التاريخ ولا هي دولة يمكن إخافتها بخطاب استعراضي عابر سيما وان هذه البلاد العريقة والتي يعرفها العالم اليوم بأرض السلام كانت قبل قرون إمبراطورية بحرية ضخمة تسيطر على الموانئ وخطوط التجارة وتمتد من سواحل الخليج إلى شرق أفريقيا والمحيط الهندي في زمن لم تكن فيه الولايات المتحدة قد ظهرت أصلا على خارطة العالم وبينما كانت السفن العُمانية تجوب البحار وتفرض حضورها السياسي والتجاري كانت قوى دولية كبرى لا زالت تخوض معاركها المتواصلة للسيطرة على طرق الملاحة العالمية
العُمانيون عرفوا عبر تاريخهم الطويل كيف يبنون القوة دون ضجيج وكيف يجمعون بين الحكمة والسيادة وبين الدبلوماسية والكرامة الوطنية ولهذا فإن قراءة سريعة للتاريخ تكفي لفهم أن هذا الشعب الذي هزم البرتغاليين وطردهم من سواحله وخاض اشرس معارك البحر والجبل والصحراء لا يمكن أن يرتبك أمام تهديدات إعلامية خاوية أو تصريحات انفعالية متكررة مهما بلغت حدتها وطيشها
اللافت في الحدث أن ترامب الجاهل والناكر للجميل يهدد اليوم الدولة التي ساهمت مرارا في حماية المصالح الأمريكية نفسها من الانهيار في الخليج فكم من أزمة تم احتواؤها عبر الوساطة العُمانية وكم من مواجهة تم تأجيلها بفضل السياسة الهادئة التي انتهجتها مسقط ومع ذلك فإن الإدارة الأمريكية الحالية تبدو وكأنها لا تعترف بقيمة الحلفاء بقدر اعترافها بمنطق التبعية المطلقة وهذا ما يكشف أزمة عميقة داخل الذهنية السياسية الأمريكية التي لم تعد تميز بين الشريك والتابع
عمليا هذه التهديدات تكشف مرة اخرى حالة ارتباك مزمنة تعيشها واشنطن أكثر مما تعكس قوة حقيقية والولايات المتحدة التي غرقت في حروب طويلة من فيتنام إلى أفغانستان والعراق لم تعد قادرة على فرض إرادتها مثلما كانت تفعل في العقود الماضية بل إن كثيرا من تلك الحروب تحول إلى استنزاف سياسي وعسكري وأخلاقي هائل أدى إلى تراجع صورة أمريكا في العالم واهتزاز ثقة حلفائها بها
في ظل هذا التراجع الحاد يحاول ترامب تعويض فقدان الهيبة الدولية بتصريح صاخب قائم على التخويف والاستعراض خصوصا في ظل أزماته الداخلية المتعددة والانقسامات الحادة داخل المجتمع الأمريكي فلا عن تراجع شعبيته وتصاعد الانتقادات ضده بسبب سياساته الخارجية المتخبطة ولهذا بات يلجأ إلى لغة التهديد كلما واجه مأزقا سياسيا أو انتخابيا وكأن إشعال التوترات الدولية أصبح جزءا من حملته المستمرة لاستعادة صورة الرجل القوي أمام جمهوره
يبدو للجميع ان ترامب لم يعلم بعد ان العالم قد تغير كثيرا والمنطقة نفسها لم تعد كما كانت وشعوب الشرق الأوسط باتت أكثر إدراكا لطبيعة المشاريع التي تحاك ضدها وأكثر وعيا بأن لغة الإملاءات الأمريكية لم تعد قادرة على إخضاع الجميع كما حدث في مراحل سابقة ولهذا فإن تهديد عُمان لن يقرأ عربيا وإسلاميا باعتباره استهدافا لدولة بعينها فقط بل باعتباره رسالة ترهيب موجهة لكل دولة تحاول الاحتفاظ بحد أدنى من السيادة والاستقلالية في قرارها السياسي
سلطنة عُمان التي اختارت عبر تاريخها أن تكون جسرا للحوار لا ساحة للحروب أثبتت أن الحكمة قد تكون أحيانا أكثر قوة وتأثيرا من حاملات الطائرات والأساطيل العسكرية كما أثبتت أن الدول العريقة لا تحتاج إلى الصراخ لإثبات حضورها فالتاريخ وحده يكفي أحيانا للرد على كل محاولات الاستعلاء والغطرس
تصريح ترامب النشاز والصادم لا يمكن عزله عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة وواشنطن التي اعتادت لعقود طويلة إدارة الخليج بمنطق الوصاية بدأت تدرك اليوم أن هناك إرادة إقليمية متنامية تسعى للتحرر من الهيمنة الخارجية وإعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية وفق مصالح شعوب المنطقة لا وفق حسابات البيت الأبيض وهلوسات ترامب ولهذا تبدو أي دولة تمتلك قرارا مستقلا أو تلعب دورا سياديا متوازنا وكأنها مصدر إزعاج للمشروع الأمريكي الذي لم يعد يحتمل وجود وسطاء عقلانيين خارج دائرة النفوذ المباشر
التطاول غير الاخلاقي على سلطنة عُمان يعكس حالة التردي التي تعيشها السياسة الأمريكية عامة وادار وترامب خاصة والتي غرقت في حروب مفتوحة واستنزافات اقتصادية وعسكرية هائلة لم تعد تملك الأدوات القديمة لفرض هيبتها سوى عبر التصريحات العدوانية والاستعراض الإعلامي وحين تفشل القوة ويظهر العجز في الوصول الى الأهداف تتحول اللغة السياسية المبتذلة والرخيصة إلى بديل عن الإنجاز الحقيقي ولهذا تبدو تصريحات ترامب انعكاسا لحالة ارتباك أمريكي داخلي أكثر مما تبدو تعبيرا عن ثقة عسكرية او استراتيجية راسخة
عُمان التي يحاول ترامب مخاطبتها بلغة التهديد هي دولة راسخة وتعرف جيدا معنى السيادة وتفهم طبيعة الصراعات الدولية بحكم تاريخها العريق وتجربتها السياسية الطويلة وهذه البلاد لم تبن مكانتها بالصخب الإعلامي ولا بالارتهان للمحاور بل شيدت مكانتها واحترامها عبر عقود من الحكمة والاتزان والقدرة على الحفاظ على كرامتها الوطنية وسط أكثر مناطق العالم اضطرابا ولهذا فإن لغة التعديد و الابتزاز مهما ارتفعت لن تغير من حقيقة أن الدول العميقة الجذور لا ترتجف أمام التصريحات الانفعالية وأن الشعوب التي صنعت تاريخها بعرقها وصبرها وكفاحها لا يمكن أن تنكسر أمام موجات الغطرسة العابرة
اخيرا : الصورة الكلية للمشهد الامريكي الحالي تبدو شديدة السخرية حيث يجد العالم ان الولايات المتحدة لم يعد ينقصها سوى أن تدخل في حروب شاملة مع الجميع دفعة واحدة وربما لم يبق أمام ترامب سوى أن يهدد بقصف واشنطن او نيويورك في مشهد يكشف كيف يمكن للقوة حين تفقد العقلانية والحكمة أن تتحول إلى عبء على أصحابها قبل اعدائها وامام هذا الواقع المعقد على ترامب ان يسأل التاريخ عن عُمان التي صنعت المجد في اعماق جغرافية الكرامة والبطولة في سفر الخلود تعلن اليوم على رؤوس الاشهاد ان التهديدات لا تخيفها والمضايقات لن تثنيها عم القيام بدورها الانساني والدبلوماسي في الذود عن شعبها وارضها التي ستبقى عصية على الهوان والانكسار وهي ترى ترامب يتخبط ويحترق وهو يكتب الفصل الأخير لأفول الهيمنة لأمريكية
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]