رم - د. مفضي المومني.l
2026/5/27
كلُّ عامٍ وأنتم بخير… وكلُّ عامٍ والأردنُّ وامتنا العربية والاسلامية وأهلُها بألفِ خير.
يأتي العيدُ كلَّ عامٍ محمّلًا بالحنين والأمل…!، وبشيءٍ من الفرح الذي نحاول أن نتمسّكَ به رغم ثقلِ الحياة، وكأنّنا نمارس طقوسًا قديمًة لمقاومة التعب والانهاك، وإقناع أنفسنا بأنّ القادم قد يكون أجمل.
في طفولتِنا كان العيدُ مختلفًا؛ بسيطًا، لكنّه ممتلئٌ بالدهشة. كنّا نفرحُ بـالتعريفة.. والقرش، وحفنةِ الفيصليّة والمخشرم، وحبّةِ التوفي، وقطعةِ شوكلاتة السلفانا.. التي كانت قمّةَ الترف في تلك الأيّام. كان بوط العيد الصيني الجديد إن وجد كفيلًا بأن يجعلنا نطيرُ فرحًا، وكانت العيديّة القليلة شلن.. او بضعة قروش تفتحُ أمامنا أبوابَ الدنيا؛ فنمارس الترف ونشتري؛ بسكويت غندور، أو قنينة بيبسي، أو بالوناتٍ ودواحل وفرد فقيع... كان الفرحُ عفويًّا ومشروعًا، ولم تكن الهمومُ ونوائب الحكومات قد سلكت طريقها إلى جيوبنا وقلوبنا وفرحنا...! ولم يعاقرنا الفرح منذ تلك الايام البعيدة…وتذكروا مع انفسكم متى فرحت من قلبك آخر مرة..! فقط أيام طفولتنا… وبعدها اوقف التنفيذ..!
كبرنا… وكبرت معنا الأسئلةُ والهموم، وغاب الفرحُ شيئًا فشيئًا. صرنا نعيشُ عيدًا مثقلًا بالأعباء؛ غلاءٌ، وركودٌ، وضيقُ حال، وحكوماتٌ تُكثر الوعود وتُقلّ النتائج وتكثر التصريحات. الناسُ لم يعودوا ينتظرون فوضى وعبثية الكلام السياسي؛ لأنّ التجاربَ علّمتهم أنّ (الخروج من عنق الزجاجة، والنهضة، ولا تسافر يا قتيبة، والرز المصري والبولوبيف والملوخية، والاجمل الذي لم يأتي بعد… وقنينة النفط.. وووو… ) صارت كلها شعارات للتندر… واجترار الخيبات، وصرنا حقل تجارب لختيارية السلطة… يخرجون علينا بسواليف حصيده…! عن البطولات والفساد…وبيحموا بالنا ويستفزوننا…! واحنا مش ناقصين..!.
ويبقى المواطنُ يدورُ في ذات الدائرة؛ جباية،ضرائب، وارتفاع أسعار، تعيينات، هيئات، عالمسطرة لابناء الذوات… ثم يأتي وزير ويتهمنا بالعزوف عن العمل… وان العيب فينا…ونحن نحن.. نعرف انه يستهبلنا… او ينكئ جراحنا… وكرماله وامثاله نعزف على ربابة البطالة… والفقر… والوعود… (تا يفرجها الله… ونشوف وزراء منا… وما بيضحكوا علينا..!)
خططٌ وبطولات تُسوَّق إعلاميًّا لا تُلامس وجعنا ولا تغير حياة الناس. والثابت الوحيد؛ أنّنا نُعيد تدوير الأسماء والوجوه والسياسات ذاتها، حتى بات الأردني يدرك أنّ الحكومات وذات الشخوص لا تتبدّل (جوزك والرايد الله)، أمّا الوجعُ فيبقى مقيمًا يرتحل في تفاصيل يومنا... من (حكومة راحلة إلى حكومة زاجلة… عداك عن التعديلات…!) .
منذ سبع سنوات كتبت عن العيد وقلت: قبل العيد بأيام، تجولتُ في وسط عمّان القديمة؛ المسجد الحسيني، سبيل الحوريات، مقهى فيصل، حبيبة، درج الكلحة، شارع السلط… الأماكن ذاتها التي تحفظُ ذاكرة الأردنيين، لكنّ الملامح تغيّرت. في عيون أصحاب المحالّ تعبٌ وانتظار، وفي الأسواق حركةٌ أقلُّ بكثير من سنواتٍ مضت.
ومنذ سنة واكثر…اجوب اسواق اربد…وعمان… محلات كثيرة اغلقت… ركود مطقع…والاسواق تكاد تخلو من المشترين وحتى من المتسكعين..! حتى الأضحية أصبحت عبئًا ثقيلًا على كثيرٍ من العائلات وننتظر فتوى بأجازة (اضحية ما تيسر ولو الدجاجة..! )، أما العيديات… فصارت سببا في قطع الرحم… أو دين او قرض…وسداد البنوك اصبح يذكرنا (بشايلوك… في تاجر البندقية لشكسبير…! )..وما زال المشهد يسير بخطوات ثابتة للخلف..!
ورغم كل ذلك، يبقى الأردنيُّ عنيدًا في حبّه لوطنه وللحياة. يعودُ في العيد إلى قريته وباديته، يزورُ الأرحام، ويُقبّل أيدي الأمهات، ويحاول أن يصنع من ضيقِ الأيام فسحةً للفرح.
نعم، تغيّرت طقوسٌ كثيرة؛ غابت زياراتُ الجيران، واختفّت رائحةُ القسماط والسمن البلدي، واللزاقيات…والمردد…كنافة الطفارى.. لكنّ الناس ما زالوا يحملون الوطن في قلوبهم، ويخافون عليه أكثر من خوفهم على أنفسهم.
لست عدمياً ولا اجلد الذات… ولكن؛ أعمى من لا يرى الحقيقة من باب المتعبين والمسحوقين… ودعوات امهاتنا الطيبات بالفرج... ذات عوز.. او رغيف خبز… أو مرض أو حاجة… او بضع دنانير لطالبة جامعة… او مصروف جيب… أما الكماليات… فسامحناهم بها منذ زمن… حين اقنعونا أن الوطن للأغنياء وأبناء السلطة… والمواطنة لمن هم دون ذلك..! وفوق هذا مش تاركينا بحالنا… يخرج من يسيء لنا.. ومن ينعتنا باقبح (التناعيل)… والبهدلات… وأخرها بهدلة النظافة والبيئة… استحوا… عيب عليكم… ! ويمكن المرة الجاية توصل ل… اعرفوها لحالكوا..!
بكل الاحوال… سنقتحم العيد فهو يأتينا رغما عنا… ونصطنع الفرح.. ونمارسه بما تيسر… علنا ننسى مؤقتاً (اولاد ال…. اللي سودوا عيشتنا..!)… واذا امكن يبطلوا تصريحات واستفزازات… ! اللي فينا مكفينا..!. وإذا ما زبط العيد هذا… بلكي اللي بعده..!.
كل عام وبلدنا بخير… كل عام وشرفائه ملح الارض.. ودحنونها… وشيحانها… ولو كره الفاسدون.
في العيد اصنعوا متّسعا من المحبّة، وارقصوا ولو على اوجاعكم… ولا تنسونا من اضحياتكم..! وتقبل الله طاعات حجاجكم…!.
وتبقى نافذةً صغيرة للأمل، مهما ازدحم المشهدُ بالخذلان والتعب...فالاردن بخير رغماً عنهم…والقادم أجمل بعون الله لا بتغريدات وتصريحات اصحاب الفخامة…!(اللي ما بتقلي بيضه..!).
كلُّ عامٍ وأنتم بخير…
حمى اللهُ الأردن.