رم - في الخامس والعشرين من ايار عام 1946، وقف الأردن في مواجهة التاريخ لا كأرض تبحث عن اسم، بل كوطن قرر ان يكون له صوت وراية ومكان بين الامم. خرج من عباءة الانتداب
وهو قليل الموارد، لكنه كان غنيا بالارادة، قويا بعزيمة رجاله، مؤمنا ان الاوطان لا تقاس بحجم الثروات في باطنها فحسب، بل ايضا بحجم الكرامة في صدور ابنائها، وبحجم الايمان الذي يسكن قلوب الرجال حين تضيق الظروف وتشتد المحن.
لم يكن طريق الاردن مفروشا بالرخاء، بل سار فوق جمر الحروب والازمات والعواصف التي اسقطت دولا واربكت شعوبا وبددت احلام امم كاملة. ومع ذلك بقي واقفا، لان الاوطان التي تبنى على الحكمة والصبر والوعي لا تهزمها الرياح بسهولة، ولا تتزعزع كلما اشتدت العواصف حولها. فكم من دول امتلكت المال والسلاح، لكنها عجزت عن امتلاك التوازن، وكم من شعوب اغرتها القوة فسقطت حين غاب عنها العقل والحكمة.
لقد تعاقبت على المنطقة زلازل السياسة والاقتصاد، وتغيرت خرائط وتحالفت قوى وتهاوت انظمة، بينما بقي الاردن يعرف كيف يحمي توازنه، وكيف يحفظ للدولة هيبتها وللمجتمع تماسكه. وهذه ليست معجزة جغرافيا ولا صدفة تاريخ، بل ثمرة قيادة ادركت مبكرا ان بقاء الوطن مقدم على رعونة المغامرات، وان الانسان هو الثروة الحقيقية حين تقل الموارد وتضيق الخيارات.
وفي ذكرى الاستقلال، لا يستحضر الاردنيون تاريخا مضى فقط، بل يستحضرون معنى الوطن حين يتحول الى بيت للكرامة والاستقرار والاعتدال والانتماء. رحم الله الاباء والاجداد الذين حملوا الحلم وكتبوا فجر الاستقلال بالصبر والتضحيات، وحفظ الاردن قيادة وشعبا، ليبقى وطنا عربيا شامخا يعرف كيف يصمد وكيف ينهض مهما تغيرت الازمنة وتعاقبت التحديات، ومهما تبدلت الوجوه والخرائط حوله.
زهير الشرمان