السِّرُّ الخَفِيُّ وَرَاءَ سَحْبِ تَرْشِيحِ سَفِيرٍ فِلَسْطِينِيٍّ لِمَنْصِبٍ هَامٍّ فِي الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ


رم -


د . مهدي مبارك عبد الله

لم يكن قرار السلطة الفلسطينية سحب ترشيح سفيرها لدى الأمم المتحدة رياض منصور لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد حدثا بروتوكوليا عابرا كما حاول البعض تصويره اعلاميا ودبلوماسيا بل موقف كشف مرة أخرى مستوى الاشتباك السياسي والدبلوماسي القائم خلف الكواليس بين واشنطن والقيادة الفلسطينية وحجم الأدوات التي تستخدمها الإدارة الأميركية لإبقاء السقف الفلسطيني منخفضا داخل المؤسسات الدولية وخصوصا في الأمم المتحدة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم ساحات الصراع السياسي والقانوني حول القضية الفلسطينية والتي تتحكم امريكا في مسيرتها لمصلحة اسرائيل

القرار جاء في توقيت شديد الحساسية يتزامن مع تصاعد العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل بسبب الحرب على غزة وتزايد الضغوط القانونية والسياسية المرتبطة بملفات الاستيطان وجرائم الحرب والتحركات داخل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وهو ما جعل أي تقدم فلسطيني داخل المنظومة الأممية ينظر إليه أميركيا وإسرائيليا باعتباره تهديدا مباشرا للرواية الإسرائيلية المكذوبة ولجميع محاولات احتواء الحضور الفلسطيني المتنامي في المحافل الدولية .

على الرغم أن منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة يعد من الناحية الشكلية منصبا إداريا ورمزيا بحتا الا إن واشنطن تعاملت معه باعتباره خطرا سياسيا حقيقيا يهدد اسرائيل لأن من يشغل هذا الموقع يستطيع إدارة جلسات الجمعية العامة في غياب الرئيس والمشاركة في تنظيم النقاشات الدولية الكبرى المتعلقة بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية وهذا ما يفسر حالة القلق الأميركي والإسرائيلي من احتمال ظهور دبلوماسي فلسطيني يدير جلسات رفيعة المستوى داخل أهم منصة سياسية دولية في العالم

اللافت في الواقعة أن فلسطين كانت قد حصلت عمليا على توافق داخل المجموعة الآسيوية لشغل المنصب إلى جانب دول أخرى مثل العراق وأفغانستان وأنغولا ما يعني أن العقبة لم تكن أممية ولا إجرائية بل كانت خطوة سياسية بامتياز جاءت من خارج الأمم المتحدة نفسها وتحديدا من واشنطن التي استخدمت مجددا بشكل متكرر سلاح التأشيرات والضغوط المالية والتهديد بالعقوبات الدبلوماسية لإجبار السلطة الفلسطينية على التراجع

التسريبات الدبلوماسية الأميركية تشير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تكتف بالضغط السياسي بل لوحت بإلغاء تأشيرات أعضاء البعثة الفلسطينية المعتمدين لدى الأمم المتحدة في نيويورك وهو تهديد بالغ الخطورة لأنه يستهدف عمليا قدرة الوفد الفلسطيني على العمل داخل المنظمة الدولية ويكشف كيف توظف الولايات المتحدة موقعها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة لتحقيق أهداف سياسية تتعارض مع روح الاتفاقيات الدولية التي تلزمها بتسهيل عمل البعثات الدبلوماسية المعتمدة دوليا

الموقف الأهم هنا لا يتعلق فقط بحجم الضغوط الأميركية بل بسبب استجابة السلطة الفلسطينية لها بهذه السرعة رغم أن المنصب لا يحمل ثقلا تنفيذيا كبيرا وهو ما يظهر حقيقة الأزمة البنيوية التي تعيشها السلطة الفلسطينية والتي باتت تعتمد بصورة شبه كاملة على التفاهمات المالية والسياسية مع واشنطن وتل أبيب من أجل ضمان بقائها الاقتصادي والإداري في ظل الأزمة الخانقة الناتجة عن احتجاز اسرائيل لأموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي وتصاعد العجز المالي

لا شكل بان أموال المقاصة أصبحت بالنسبة للسلطة الفلسطينية نقطة ضعف استراتيجية تستغلها إسرائيل والولايات المتحدة بشكل متكرر لفرض تنازلات سياسية ودبلوماسية والواقع حين تكون السلطة عاجزة عن دفع الرواتب وتواجه أزمة ديون متفاقمة تصبح قدرتها على خوض معارك سياسية مفتوحة داخل الأمم المتحدة محدودة للغاية وهو ما يفسر الحديث المتزايد عن وجود تفاهمات غير معلنة تربط بين تخفيف الأزمة المالية وبين تقليص التحركات الفلسطينية داخل المؤسسات الدولية

في عمق هذا السياق يبدو أن واشنطن أرادت توجيه رسالة واضحة لقيادة السلطة مفادها أن أي محاولة فلسطينية لتوسيع حضورها السياسي أو القانوني داخل الأمم المتحدة ستقابل بعقوبات مباشرة سواء عبر التأشيرات أو من خلال ملف الأموال المحتجزة أو حتى بتعطيل أي تفاهمات اقتصادية تتعلق بالسلطة الفلسطينية وهو ما يعكس طبيعة العلاقة غير المتوازنة بين الطرفين حيث تحولت المساعدات والتسهيلات المالية إلى أدوات ابتزاز سياسي دائم

التراجع الفلسطيني العاجل كشف أيضا عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الاستراتيجية السياسية للسلطة نفسها خاصة بعد سنوات طويلة من الرهان على المسار الدبلوماسي والتفاوضي تجد القيادة الفلسطينية نفسها عاجزة حتى عن حماية حقها في الترشح لموقع بروتوكولي داخل الأمم المتحدة الأمر الذي يطرح تساؤلات واسعة في الشارع الفلسطيني حول جدوى هذا النهج السياسي وقدرته على تحقيق أي اختراق حقيقي في ظل استمرار الهيمنة الأميركية المطلقة على مسار القضية الفلسطينية برمتها

لقد بات من الواضح أن واشنطن لا تخشى المنصب بحد ذاته بقدر ما تخشى رمزيته السياسية ووجود مسؤول فلسطيني على منصة إدارة الجمعية العامة حتى لو بصورة جزئية يمثل اعترافا متزايدا بالحضور السياسي الفلسطيني داخل النظام الدولي ويمنح الدبلوماسية الفلسطينية مساحة أوسع للتأثير في النقاشات المتعلقة بالحرب على غزة والاستيطان والاعتراف بالدولة ومستقبل القضية الفلسطينية وهو ما تعتبره إسرائيل جديا خطرا متراكما على صورتها الدولية التي تعرضت لاهتزاز غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة

بالتدقيق فيما جرى نجد أن سحب ترشيح رياض منصور للمرة الثانية بعد انسحابه سابقا من سباق رئاسة الجمعية العامة يؤكد أن الضغوط الأميركية لم تعد تقتصر على منع القرارات الكبرى بل باتت تمتد حتى إلى التفاصيل الإجرائية والرمزية داخل الأمم المتحدة وهذا يكشف بوضوح حجم الحساسية الأميركية تجاه أي حضور فلسطيني متقدم داخل المنظمة الدولية مهما بدا محدودا من الناحية الشكلية

التدخل الامريكي ايضا يعكس أيضا مدى حدود القوة الفلسطينية داخل الأمم المتحدة رغم حصول فلسطين خلال السنوات الأخيرة على توسعة مهمة في حقوق المشاركة داخل الجمعية العامة بما يشمل حق تقديم المقترحات والمشاركة الأوسع في النقاشات الا إن هذه المكاسب تبقى مقيدة بالسقف الأميركي وبقدرة واشنطن على استخدام نفوذها السياسي والمالي والدبلوماسي لمنع تحول هذا الحضور الرمزي إلى تأثير فعلي داخل المؤسسات الدولية

السؤال الذي بات يطرح نفسه فلسطينيا وعربيا بالحاح إذا كانت السلطة الفلسطينية قد اختارت الانحناء أمام العاصفة الأميركية تفاديا لخسائر أكبر فإن الثمن السياسي والمعنوي لهذا التراجع يبدو كبيرا لأن الرسالة التي وصلت إلى العالم هي أن واشنطن ما تزال قادرة على تعطيل أي صعود فلسطيني داخل الأمم المتحدة حتى لو تعلق الأمر بمنصب إداري بسيط ومحدود وهو ما يضعف صورة السلطة ويعزز الانطباع بأنها تتحرك ضمن هامش ضيق تحدده الحسابات الأميركية والإسرائيلية أكثر مما تحدده الإرادة الوطنية الفلسطينية المستقلة ان وجدت طبعا

ختاما : يمكننا القول صراحة إن قضية سحب ترشيح رياض منصور لا تتعلق فقط بمقعد داخل الجمعية العامة بل تكشف طبيعة المعركة الحقيقية الدائرة حول مستقبل الحضور الفلسطيني في النظام الدولي وتؤكد أن الصراع لم يعد يقتصر على الأرض والحدود بل امتد إلى اللغة القانونية والمنابر السياسية والرمزية الدبلوماسية داخل المؤسسات الأممية وكل مساحة حضور فلسطيني مهما بدت صغيرة أصبحت بالنسبة لواشنطن وتل أبيب معركة حساسة يجب منعها لأنهما تدركان أن تراكم هذه المكاسب الرمزية والسياسية قد يتحول مع الوقت إلى واقع دولي جديد يصعب احتواؤه أو إلغاؤه

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]






عدد المشاهدات : (139)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :