رم - د.مارسيل جوينات
يشكّل افتتاح جلالة الملك عبدالله الثاني لجامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية حدث يتجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي، ليحمل في مضمونه رسائل دينية وثقافية وسياسية تعكس رؤية الأردن في ترسيخ مكانته مركز عالمي للحوار الحضاري.
فالجامعة التي أُقيمت في منطقة المغطس، أحد أقدس المواقع المسيحية في العالم، لا تمثل مجرد مؤسسة تعليمية جديدة، بل مشروع استراتيجي يربط بين التعليم والهوية الروحية والدور الجيوسياسي للأردن في المنطقة.
ويأتي هذا المشروع في توقيت إقليمي ودولي تتزايد فيه الحاجة إلى مؤسسات أكاديمية قادرة على تعزيز ثقافة الاعتدال والانفتاح، في ظل التحولات الفكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة. ومن هنا، تبدو جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية محاولة أردنية لتقديم نموذج تعليمي وروحي يعكس صورة الدولة التي تقوم على التعددية واحترام الأديان، ويؤكد في الوقت ذاته أن التعليم يمكن أن يكون أداة للحوار وبناء الجسور بين الشعوب.
لا يمكن قراءة افتتاح الجامعة بمعزل عن رمزية المكان. فالمغطس ليس مجرد موقع أثري أو سياحي، بل يحمل قيمة دينية عالمية باعتباره المكان الذي تعمد فيه السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، وقد أصبح الموقع خلال العقود الأخيرة احدى أهم مراكز الحج المسيحي في العالم، خاصة بعد إدراجه على قائمة التراث العالمي لليونسكو وزيارات عدد من باباوات الفاتيكان وقادة الكنائس العالمية إليه.
اختيار هذا الموقع ليكون مقر لجامعة دولية أرثوذكسية يعكس إدراك عميق لأهمية “الجغرافيا الروحية” في صناعة التأثير الثقافي والديني. فالمكان هنا يتحول إلى عنصر أساسي في هوية المؤسسة التعليمية، بما يمنحها خصوصية قد لا تتوافر لجامعات أخرى. والرسالة التي يحملها المشروع واضحة: أن الوصايه الهاشمية على للمقدسات الإسلامية والمسيحية ورعايتها في كافة الارض المقدسه. وأيضًا منصة عالمية للحوار الديني والمعرفي.
من الناحية السياسية والثقافية، يمكن النظر إلى الجامعة باعتبارها جزء من أدوات “القوة الناعمة” الأردنية. فالدول لم تعد تعتمد فقط على أدوات النفوذ التقليدية، بل أصبحت تستثمر في التعليم والثقافة والدين لتعزيز حضورها الدولي. وفي هذا السياق، تسعى الأردن إلى ترسيخ صورتها كدولة مستقرة ومعتدلة في منطقة مضطربة.
الجامعة الجديدة تحمل بعد دولي واضح ، سواء من خلال طبيعة تخصصاتها أو الفئات المستهدفة من الطلبة والباحثين. ومن المتوقع أن تستقطب طلبة من دول عربية وأجنبية، بالاخص من المجتمعات المسيحية الأرثوذكسية، ما يمنح الأردن مساحة إضافية للتواصل الثقافي والدبلوماسي مع العالم.
كما أن وجود جامعة ذات طابع ديني وإنساني في موقع مقدس يمنحها فرصة لتطوير برامج أكاديمية متخصصة في الدراسات اللاهوتية، وحوار الأديان، والفلسفة والقانون الكنسي . وهي مجالات أصبحت تحظى باهتمام عالمي متزايد، خاصة في ظل تنامي الخطابات المتطرفة والحاجة إلى بناء منصات أكاديمية تعزز ثقافة السلام.
لا يقتصر أثر المشروع على الجانب الأكاديمي والديني، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي أيضًا. فالسياحة الدينية تُعد من القطاعات الحيوية التي يراهن عليها الأردن لتعزيز اقتصاده الوطني، خاصة في ظل ما يمتلكه من مواقع دينية ذات قيمة عالمية، مثل المغطس وجبل نيبو ومكاور.
ومن شأن الجامعة أن تسهم في تنشيط الحركة السياحية والثقافية في المنطقة، عبر استقطاب الطلبة والباحثين والزوار والمؤتمرات الدولية. كما ستوفر فرص عمل وتدعم التنمية المحلية في المناطق المحيطة بالمغطس، ما يجعل المشروع جزء من رؤية تنموية شاملة تربط بين التعليم والاقتصاد والسياحة.
كما يحمل المشروع أيضًا رسالة سياسية ذات دلالات عميقة، بالاخص في ظل التحديات التي تواجه الوجود المسيحي في الشرق الأوسط. فافتتاح جامعة أرثوذكسية دولية في الأردن يبعث برسالة مفادها أن المنطقة ما تزال قادرة على احتضان التنوع الديني والثقافي، وأن المسيحيين جزء أصيل من نسيجها التاريخي والحضاري.
كما يعكس المشروع الدور الأردني التقليدي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهو الدور الذي يحظى بتقدير دولي واسع. ومن خلال هذا النوع من المشاريع، يعزز الأردن موقعه كدولة تدافع عن قيم الاعتدال والعيش المشترك ، وتطرح نموذج مختلف عن صور الصراع والانقسام التي ارتبطت بالمنطقة خلال السنوات الماضية.
ورغم أهمية المشروع، فإن نجاح الجامعة سيعتمد على قدرتها على التحول إلى مؤسسة أكاديمية ذات حضور عالمي حقيقي، وليس مجرد مشروع رمزي. وهذا يتطلب تطوير برامج تعليمية حديثة، واستقطاب كفاءات أكاديمية دولية، وبناء شراكات مع جامعات ومراكز بحثية عالمية.
كما أن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين الهوية الدينية للجامعة وطابعها الأكاديمي الدولي، بحيث تبقى مؤسسة منفتحة على مختلف الثقافات والتيارات الفكرية، وقادرة على إنتاج معرفة تسهم في معالجة قضايا العصر، لا الاكتفاء بالبعد الاحتفالي أو الرمزي.
إن افتتاح جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية يمثل خطوة تحمل أبعاد تتجاوز التعليم إلى السياسة والثقافة والدين والاقتصاد. فهي مشروع يعكس رؤية أردنية تقوم على توظيف الإرث الديني والتاريخي في خدمة التنمية والحوار والسلام، ويؤكد أن الأردن يسعى إلى تعزيز حضوره العالمي ليس فقط عبر السياسة، بل أيضًا عبر المعرفة والثقافة والقيم الإنسانية.
وفي عالم تتزايد فيه الانقسامات، تبدو مثل هذه المبادرات محاولة لتقديم نموذج مختلف؛ نموذج يرى في التعليم والدين جسر للتواصل لا أداة للصراع، وفي التنوع مصدر قوة وليس سيب للانقسام.