هل قرأ عباس التاريخ .. جمهوريات التوريث تفتك بقادتها .. !!


رم - صالح الراشد

“العاقل من اتعظ بغيره، والجاهل من اتعظ بنفسه"، مقولة تكتب بماء الذهب ويتعلم منها العقلاء ويسخر منها محدودي الرؤيا فيضيعون ويضيعون مَن بعدهم، لنجد أن "الاتعاظ من تجارب الغير" طريق للحكمة المعرفية والسياسية والاجتماعية، وتتزايد الخطورة السياسية في الدول حين يتم تركيز السلطة بيد أعداد محدودة ومقربة على طريقة نظام "الأوليغارشية" التي تعمل على توريث الحكم الجمهوري لأشخاص من ذات فئة "الأوليغارشية" أو لأبنائهم، وفي الدول الغربية يتم تبادل الحكم بين أفراد "الأوليغارشية" فتنطلي اللعبة على الشعوب ولا تتنبه إلى أن التغيير يكون فقط في صورة القيادة وليس في جوهرها.

ويعتقد بعض رؤساء الدول العربية ان التوريث هو الطريقة الأسلم لفرض حكم "الأوليغارشية" الكامل لمفاصل هذه الدول، وبالتالي يعملون على تقييد المشاركة السياسية بتجاهل مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات مدنية، ويتناسى أصحاب القرار في هذه الدول أو يرفضون مشاهدة الصورة الكبيرة بأن ربط الدولة بشخص متفرد بالقرار قد يؤدي إلى أزمات حادة عند أول هزة، فيما الدول التي أسست مؤسسات قوية، وسمحت بتداول السلطة، وفصلت بين الدولة والحاكم، كانت دوماً أكثر استقرارًا على المدى الطويل وأقدر على تجاوز الصدمات لاعتماد النظام على الكفاءات الحقيقية.

ويجد من يقرأ التاريخ ان الجمهوريات العربية التي سعت للتوريث انتهى فيها حكم العائلة بطريقة دموية، لأن الشعوب تقرأ وتشاهد وتتعلم فهي ليست قطعان يفعلون ما يؤمرون، بل بشر يفكرون ويلجؤون للعقد الاجتماعي بين القيادات والشعوب، فالعقد الاجتماعي في الجمهوريات قائم على انتخاب الرئيس وتبادل السلطة وليس التوريث، فحاول المصري حسني مبارك توريث الحكم لإبنه جمال فخرج عليه المصريون وأزاحوه عن الحكم وحبسوا إبنه، وفي سوريا قاد حزب البعث عملية توريث بالإكراه بتعيين بشار الأسد خلفاً لأبيه حافظ ليثور الشعب السوري بعد سنوات من القهر ويطرد بشار خارج الديار.

وسبقهم لهذا الفعل العراقي صدام حسين وكان يريد الحكم لأحد ابنيه وتم قتلهم جميعا، ولم يخرج الليبي معمر القدافي عن ذات الفكر حيث كان يعد إبنه سيف الإسلام لتولي الحكم ليسقط القذافي ويختفي المشروع، وفي اليمن حاول علي عبد الله صالح تمهيد الطريق أمام ابنه أحمد لقيادة الجمهورية لكن الاحتجاجات والانقسامات السياسية حالت دون ذلك، ورغم كل هذه الأهوال وما حصل للقادة وأبنائهم لم تصل الرسالة للرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه جاء خليفة للشهيد ياسر عرفات، وأن من سيأتي بعده سيكون من أعضاء القيادة المركزية لفتح، ولن يكون إبنه ياسر الذي يقدمه والده على أنه الرئيس القادم لتسهيل انتقال السلطة وحماية "الأوليغارشية" الفلسطينية.

إن هناك فارق كبير في العقد الاجتماعي بين الجمهوريات والممالك وهذا يوجب على رؤساء الجمهوريات والدول الاطلاع عليه وفهمه قبل العاصفة، فالعقد الاجتماعي في الممالك يختلف عن العقد الاجتماعي في الجمهوريات، لكنه يقوم على الفكرة نفسها ويكون في الغالب ليس عقدًا مكتوبًا، بل تفاهمًا ضمنيًا بين القيادة والشعب، وفي عديد الممالك يُبنى العقد الاجتماعي على شرعية دينية للأسرة الحاكمة أو تاريخية، بحيث تعمل على توفير الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة الدولة والهوية وتقديم الخدمات والوظائف والدعم الاقتصادي وإيجاد التوازن بين القبائل أو القوى الاجتماعية، وفي المقابل يمنح الشعب الولاء للنظام الملكي وتكون المطالبة بالتغيير غالبًا إصلاحية نهضوية، بينما تُبنى الجمهوريات العربية على شخصية الرئيس والثورات والحزب الواحد وهو خروج عن روح الثورات التي تقدم نفسها كنصير للحريات لكن هيبة الكرسي تغير من يجلس عليه فيبحثون عن الخلود ويخرجون عن العقد الاجتماعي.

آخر الكلام:

"الأوليغارشية" هي نظام تكون فيها السلطة الحقيقية بيد فئة قليلة من الناس، وليس بيد الشعب عمومًا، وتتكون هذه الفئات من عائلات متنفذة وبالذات في المجال الاقتصادي، ومن رجال الأعمال البارزين وقادة عسكريين مؤثرين وقادة أحزاب، ويكون الحاكم من من هذه الفئات لضمان الولاء المطلق والسيطرة الكلية على الدولة.



عدد المشاهدات : (4204)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :