الطائر الأخضر
على نافذتي أصيص، ينبت فيه زهرة "فم التنين"، زهرة هشة لكنها جميلة. كانت زهرتها المفضلة.
أداوم على رعايتها؛ أسقيها كل صباح، وأمرر إصبعي على بتلاتها كما لو كنت أهدئ طفلة صغيرة.
كنت أسمع الأغنية ذاتها. تلك التي أهدتني إياها ذات مساء... حين ضحكت وقالت 'سأكون هنا عندما تعود'. تذكرت ذلك وأنا أحدق في بتلاتها التي تشبه فم التنين. فجأة، سمعت الكلمة تتكون ببطء بيني وبين النافذة: خائن. أعرف أنها ليست من خيالي، لأن الزهرة ارتجفت قليلا.
ضحكت ضحكة جافة، وهمست:
"حتى النباتات ترفضني الآن."
عندما أجلس وحدي في المساء، لاحتساء قهوتي، يخرج من صدري طائر أخضر، يرفرف حولي بعصبية، يخرمش زجاج النافذة، ثم يحط قبالتي وينبش الحكاية من جديد.
لم أخرّف بعد، ولا أتناول حبوب هلوسة ما، وقهوتي سمراء مُرّة، وأعلم أن الطيور الخضر عادة ما تموت باكرا، لكن طائري المجنون يخرج لي كل مساء.
يوقظ الطائر لحن هادئ لأغنية قديمة، أردد كلماتها:
"أحلام تجمعني بك الليلة..
خلال همسات المطر..
أسمعك تنادين باسمي..."
يهتز لها صدري، فيخرج مغضبا، يندفع نحوي بمخالبه فأشيح بوجهي.
ينتف ريشة من جناحه ويرسم بها وجهًا لا يشبهها، يمحو، ثم يحاول من جديد.
يرسم عينين دامعتين، وابتسامة هادئة رقيقة، وينثر على خديها نمشًا خفيفًا يشبه الغبار المضيء.
أصرخ في وجهه :لا .. لا ليست هي... كانت عيناها تضحكان.
ينقضُّ على يدي التي تحمل الفنجان، ينقرها بشدة، يندلق شيء منه على ثيابي، أضعه أمامي بيد مرتجفة.
تجتمع الأشياء حولي، أسمع ضحكات ساخرة تتردد حولي. تتساءل :
ـــ هل كان يحبها ؟
ـــ ربما.
ـــ إذن لماذا رحل؟
ـــ لماذا لم يعد؟
صمتُّ و فمي له طعم صدأ، ورائحة عفن يسري في الجو.
صمتُّ، بينما راحت الأشياء حولي تتبادل نظرات الاتهام.
ثم تعالت الهمسات حولي:
اعزلوه...
كم كان أنانيًا.
أقول بصوت مرتجف:
ـــ لم أقوى على السباحة عكس التيار، صدقوني.
كانت تنظر إليّ بعينين عاتبتين، فأصمت.
كانت عيناها السوداوان تبتسمان لي، ساعة اللقاء، أم كانتا بنيتين هادئتين؟ ما عدت أذكر.
أحلم أننا نسير في طريقنا القديم.
أركض، وتحاول اللحاق بي، تمد يدها نحوي، لكنها لا تصل.
ذات مساء، لم يخرج الطائر.
انتظرته حتى بردت قهوتي.
عندها أدركت أن لا أحد كان يحبسه سواي. قررت أخيرا أن أفتح نافذتي في وجه الطائر الأخضر.
ويوم ميلادها، وقفْتُ أمام زهرتها واعتذرْتُ.
في الصباحات الندية، أسمع زقزقة طائر أخضر.
أختبئ خلف الستارة وأنظر إلى الخارج.
يقرفص على غصن قريب من نافذة الجيران.
لا يلتفت نحوي أبدًا.
فأغلق الستارة ببطء.
سعيد ذياب سليم
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |