رم - رئيس بلدية الكرك الكبرى المهندس محمد عبدالحميد المعايطة
من المفارقات اللافتة في تاريخ الإدارة المحلية الأردنية أن البلديات، منذ تأسيس الإمارة وحتى مطلع الألفية الجديدة، كانت تعمل ضمن منظومة قانونية مستقرة إلى حدٍّ كبير، استندت في جوهرها إلى الإرث التشريعي العثماني، مع تعديلات أردنية لاحقة حافظت على روح المشاركة الشعبية واحترام إرادة المواطنين.
فقد عملت البلديات الأردنية منذ عام 1955 وحتى عام 2001 وفق قانون البلديات رقم 29 لسنة 1955، وهو قانون استلهم كثيراً من مواده وأفكاره من قانون البلديات العثماني، خصوصاً أن الأردن عرف العمل البلدي قبل تأسيس الإمارة، وكانت فيه عشر بلديات قائمة تمارس أدواراً إدارية وتنموية وسياسية وخدمية واضحة.
ورغم كل ما يُقال عن الدولة العثمانية، إلا أن قوانين الإدارة المحلية فيها منحت المجالس البلدية صلاحيات واسعة نسبياً، ورسّخت فكرة مشاركة الأهالي في إدارة شؤونهم المحلية، وهو ما حافظ عليه القانون الأردني لاحقاً بدرجات متفاوتة. لذلك بقيت البلديات لعقود مؤسسات قادرة على تمثيل الناس والتعبير عن مصالحهم المحلية.
لكن منذ عام 2001 بدأت مرحلة مختلفة تماماً، مرحلة يمكن وصفها بحالة “السيولة التشريعية”، حيث لم تعد قوانين الإدارة المحلية مستقرة، بل أصبحت عرضة للتعديل المستمر، حتى بات لكل وزير قانونه الخاص ،وأغلبهم جاء بالصدفة لا يعلم لماذا جاء ولماذا ذهب والنتيجة كانت إضعاف المؤسسات البلدية، وإرباك الإدارة المحلية، وتراجع الثقة الشعبية بالمجالس المنتخبة.
المشكلة لم تكن في تعديل القوانين بحد ذاته، فالقوانين بطبيعتها تتطور مع الزمن، بل في غياب فلسفة وطنية ثابتة للإدارة المحلية، وتحويل التشريع إلى أداة مرتبطة بعمر الوزير أو مزاج الحكومة، لا بحاجات الدولة والمجتمع.
فالقوانين السابقة – رغم بساطتها – كانت تنطلق من فكرة أن البلدية مؤسسة أهلية مستقلة تمثل المجتمع المحلي، أما كثير من التشريعات الحديثة فباتت تنطلق من فكرة الوصاية الإدارية وتغليب سلطة المركز على حساب الإرادة الشعبية.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن تعيش البلديات اليوم حالة من التراجع المالي والإداري والخدمي، وأن تتحول المجالس المنتخبة في كثير من الأحيان إلى هياكل محدودة التأثير، بينما تتوسع صلاحيات الوزارة والبيروقراطية المركزية والنتيجة الطبيعية لذلك هي إضعاف المشاركة السياسية، وتآكل ثقة المواطن بالانتخابات والعمل العام.
الأخطر من ذلك أن هذا التراجع جاء في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يتجه الأردن نحو توسيع اللامركزية وتعميق الإصلاح السياسي فقد شُكّلت قبل سنوات لجنة ملكية لتحديث المنظومة السياسية والإدارية، وكان من المنتظر أن تنتج قوانين تعزز المشاركة الشعبية وتمنح المجتمعات المحلية دوراً أكبر في صناعة القرار التنموي والخدمي لكن مشروع قانون الإدارة المحلية الأخير جاء خطوة إلى الخلف، لا إلى الأمام، لأنه يقلص من جوهر اللامركزية، ويعيد تكريس المركزية بصورة أوضح.
إن أي مقارنة موضوعية بين قانون البلديات العثماني، ثم قانون 1955 الأردني، وبين الصيغة المطروحة حالياً ، تكشف حجم التراجع في مفهوم الإدارة المحلية وصلاحيات المجالس المنتخبة بل إن بعض القوانين القديمة تبدو، من حيث احترامها لدور المجالس البلدية، أكثر تقدماً مما يُطرح اليوم تحت عنوان “التحديث”.
وهنا يبرز سؤال سياسي وتاريخي مشروع: إذا كانت الأمة العربية قد رفعت خلال الثورة العربية الكبرى عام 1916 شعارات التحرر والمشاركة ورفض الاستبداد الإداري والتهميش، فكيف نقبل اليوم بتراجع المشاركة الشعبية وتقليص صلاحيات المجالس المنتخبة بعد أكثر من قرن على تلك الثورة؟
إن الدول المتقدمة لم تصل إلى الاستقرار والتنمية عبر المركزية المفرطة، بل من خلال توسيع صلاحيات الحكم المحلي، وتعزيز الرقابة الشعبية، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها التنموية والخدمية. فاللامركزية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً للتنمية، وأداة لتخفيف الاحتقان، ومدرسة حقيقية لإعداد القيادات السياسية والإدارية.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق مجلس النواب، والأحزاب السياسية، والنخب الوطنية، والجامعات وممارسي الإدارة المحلية ، لإجراء مراجعة وطنية حقيقية لمشروع قانون الإدارة المحلية، ومقارنته بالتجارب الأردنية السابقة والتجارب الدولية الناجحة، بعيداً عن المجاملات السياسية أو الحسابات الضيقة.
فالأردن لا يحتاج إلى مزيد من القوانين المؤقتة أو التجارب المرتجلة، بل يحتاج إلى رؤية وطنية مستقرة تؤمن بأن القرارات التنموية لا تبدأ من العاصمة ، بل من البلدية، ومن حق الناس في إدارة شؤونهم المحلية والمشاركة الحقيقية في صناعة القرار.