من التفاوض إلى الابتزاز لماذا رفضت واشنطن الرد الإيراني لإنهاء الحرب ؟


رم -

د . مهدي مبارك عبد الله

منذ أسابيع طويلة كانت المنطقة بأكملها تترقب الرد الإيراني على المقترح الأمريكي الأخير الذي قدمته إدارة الرئيس دونالد ترامب عبر وسطاء إقليميين ودوليين وسط تصعيد عسكري غير مسبوق وحصار اقتصادي وضغوط سياسية وأمنية متواصلة استهدفت دفع طهران نحو القبول بشروط أمريكية قاسية صيغت بروح المنتصر المتغطرس لا بمنطق التفاوض المتكافئ وقد تعمدت واشنطن كعادتها إظهار مقترحها وكأنه فرصة أخيرة أمام إيران بينما كانت بنوده الحقيقية تعكس محاولة واضحة لفرض الاستسلام السياسي والاستراتيجي على دولة ما تزال تملك أوراق قوة واسعة في المنطقة والعالم وتفرض نفسها في معادلة الندية والردع ولذلك لم يكن مستغربا أن تتأخر طهران في الرد لعشرة ايام متواصلة لأنها كانت تدرك أن أي إجابة متسرعة سوف تستخدم ضدها في معركة سياسية وإعلامية تريدها واشنطن مدخلا لمرحلة جديدة من الابتزاز والضغوط وربما الحرب المباشرة

المقترح الأمريكي اصلا لم يقم على أسس تفاوضية متوازنة بل انطلق من عقلية السيطرة والإملاءات حيث طالبت واشنطن إيران بتقديم التزامات مسبقة تتعلق ببرنامجها النووي ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب وملفات النفوذ الإقليمي والأمن البحري ومضيق هرمز دون تقديم أي ضمانات حقيقية بوقف العدوان أو رفع العقوبات أو الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة كما أرادت الإدارة الأمريكية فصل القضايا الجوهرية عن أصل الأزمة عبر مطالبة طهران بتنازلات فورية مقابل وعود فضفاضة ومؤجلة وهو ما اعتبرته إيران محاولة مكشوفة لانتزاع عناصر قوتها الاستراتيجية تحت ضغط الحرب والحصار

الرد الإيراني رغم كل ذلك جاء واثقا وهادئا ومدروسا ومبنيا على ما وصفته طهران بالحقوق المشروعة غير القابلة للمساومة حيث شددت إيران على أن أي تفاهم حقيقي يجب أن يبدأ بإنهاء الحرب بشكل كامل ووقف كافة أشكال التصعيد العسكري والحصار البحري ورفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية المحتجزة منذ سنوات إضافة إلى ضمان حرية الملاحة واحترام السيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز باعتباره ممرا حيويا يقع ضمن المجال السيادي والأمني لإيران كما طالبت طهران بضمانات واضحة تمنع تكرار الاعتداءات مستقبلا وهو مطلب يبدو منطقيا وطبيعيا لأي دولة تعرضت لعدوان مباشر وحصار خانق بصورة متكررة

اللافت في العمق أن الرد الإيراني لم يتضمن اي لغة تهديد أو شروطا تعجيزية بل ركز على مبادئ سيادية وقانونية معترف بها دوليا ولذلك فإن وصف الرئيس الأمريكي ترامب لهذا الرد بأنه غير مقبول يكشف أن المشكلة الحقيقية ليست في مضمون الرد الإيراني بل في العقلية الأمريكية ذاتها التي ما تزال عاجزة عن الاعتراف بأن زمن فرض الإرادات بالقوة قد انتهى وأن العالم لم يعد يقاد بمنطق الأوامر الأمريكية المطلقة كما كان الحال في العقود الماضية فواشنطن تريد من إيران أن تتخلى عن عناصر قوتها مجانا بينما ترفض تقديم أي التزام جدي يضمن الأمن والاستقرار ورفع الحصار وإنهاء العدوان

التطورات الأخيرة أثبتت عمليا أن الولايات المتحدة لم تدخل مسار التفاوض بحثا عن تسوية عادلة بقدر ما أرادت صناعة ذريعة سياسية وإعلامية لتحميل إيران مسؤولية فشل المفاوضات تمهيدا لتبرير أي تصعيد عسكري لاحق والإدارة الأمريكية كانت تعلم مسبقا أن الشروط المطروحة تتجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية وأن طهران لن تقبل بالتوقيع على وثيقة إذعان تمس سيادتها وحقوقها الاستراتيجية ولذلك فإن سرعة الرفض الأمريكي للرد الإيراني بعد ساعات قليلة فقط من تسلمه تكشف أن القرار كان جاهزا سلفا وأن البيت الأبيض لم يكن مهتما فعليا بدراسة المقترح الإيراني أو البناء عليه

الأخطر في المشهد أن واشنطن وتل أبيب تحاولان استخدام ملف مضيق هرمز كورقة ضغط عالمية عبر التهويل بخطر إغلاقه وتعطيل الملاحة الدولية بينما تتجاهلان أن أصل الأزمة يكمن في الحرب والحصار والسياسات العدوانية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة وإيران لم تطالب سوى بحقها الطبيعي في حماية أمنها القومي ومياهها الإقليمية ورفض تحويل الخليج إلى ساحة ابتزاز عسكري دائم للقوات الأجنبية ولذلك فإن أي حديث أمريكي عن حرية الملاحة يبدو فاقدا للمصداقية ما دامت واشنطن نفسها تمارس الحصار البحري وتمنع تصدير النفط الإيراني وتعاقب الدول والشركات التي تتعامل مع طهران

كما أن رد الفعل الأمريكي المتشنج يعكس حجم القلق داخل الإدارة الأمريكية من استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية خاصة مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد المخاوف الدولية من أزمة طاقة عالمية جديدة سيما وان إغلاق أو اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز لا يهدد إيران وحدها بل يضع الاقتصاد العالمي بأسره أمام احتمالات خطيرة وهو ما يفسر الضغوط المتزايدة على البيت الأبيض لإنهاء المواجهة بدل توسيعها غير أن إدارة ترامب تبدو أسيرة الحسابات الانتخابية والتحالفات الإسرائيلية والرهانات العسكرية التي أثبتت التجارب السابقة فشلها وعجزها عن كسر إيران أو إخضاعها

في المقابل تبدو طهران أكثر ثقة وصلابة وهي تؤكد أن الحوار لا يعني الاستسلام وأن التفاوض الحقيقي يجب أن يقوم على الندية والاحترام المتبادل لا على منطق القوة والغطرسة وإيران التي صمدت لعقود تحت العقوبات والحصار والحروب بالوكالة تدرك أن تقديم التنازلات تحت الضغط لن يؤدي إلى السلام بل إلى فتح شهية واشنطن للمزيد من الابتزاز ولذلك جاءت رسالتها واضحة بأن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر الإملاءات الأمريكية بل عبر الاعتراف بحقوق شعوب المنطقة وسيادة دولها وإنهاء مشاريع الهيمنة والتدخل الخارجي

ما جرى خلال الأيام الأخيرة يكشف بوضوح أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف حول ملف نووي أو ترتيبات أمنية بل أصبحت مواجهة بين مشروعين مشروع أمريكي يريد إعادة إنتاج الهيمنة القديمة بالقوة والحصار ومشروع إيراني يرفض الخضوع ويصر على تثبيت معادلات جديدة في المنطقة ولذلك فإن الرد الإيراني لم يكن مجرد وثيقة سياسية بل إعلان صريح بأن زمن الاستسلام قد انتهى وأن أي تسوية مستقبلية لن تمر إلا عبر احترام السيادة الإيرانية والاعتراف بحقوقها الكاملة بعيدا عن لغة التهديد والابتزاز التي يبدو أن واشنطن ما تزال عاجزة عن التخلي عنها

خلاصة القول : في ظل هذا الواقع المتوتر يبدو السؤال الأكثر إلحاحا اليوم هو هل تبحث واشنطن فعلا عن اتفاق يوقف النزيف ويمنع انفجار المنطقة أم أنها تصنع ذريعة جديدة لحرب أوسع تعيد من خلالها فرض هيبتها المتراجعة بالقوة غير أن ما يجب أن تدركه الإدارة الأمريكية جيدا أن أي جولة قادمة لن تكون كسابقاتها وأن سياسة الضغط والحصار والتهديد لم تعد قادرة على إخضاع إيران بعدما وصل الصبر الاستراتيجي الإيراني إلى حدوده الأخيرة وطهران التي قدمت ردا عقلانيا يقوم على الحقوق والسيادة لن تقبل بعد اليوم بلغة الشروط والإملاءات المسبقة وإذا اختارت واشنطن طريق التصعيد والمواجهة فإن المنطقة بأسرها قد تدخل مرحلة مختلفة تماما تتغير فيها قواعد الاشتباك ومعادلات القوة بصورة مروعة قد تتجاوز حسابات الجميع

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]




عدد المشاهدات : (426)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :