د. مهدي مبارك عبد الله
بعد طول انتظار وصل حد اليأس من عدم اهتمام الحكومات السابقة ومرور سنوات عديدة على الاحتجاجات والمطالبات الشعبية والنيابية المتكررة قررت حكومة الدكتور جعفر حسان مشكورة في خطوة مسؤولة وجريئة حظر الوصول كافة المواقع الاباحية بشكل تلقائي وشامل عبر كافة مزودي خدمات الإنترنت الثابتة والشبكات الخلوية حيث بدأت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات رسمياً تنفيذ إجراءات تقنية بهذا الخصوص اعتبارا يوم من الثلاثاء5 مايو/ أيار 2026 استجابة لمطالب شعبية ورغبة في توفير بيئة رقمية نظيفة وآمنة .
في لحظة تتزاحم فيها التحديات الأخلاقية والثقافية على المجتمعات وتغدو الحدود بين المباح والممنوع أكثر هشاشة تحت ضغط الفضاء الرقمي المفتوح يأتي قرار الحكومة بحجب المواقع الإباحية ليعيد الاعتبار لفكرة الدولة الحارسة للقيم لا بوصفها سلطة قمع قسرية بل كإطار ناظم يحمي الإنسان من الانزلاق إلى مسارات مدمرة تمس وعيه وسلوكه ومستقبله وهو قرار يعكس إدراكا متقدما لحجم الخطر الذي تمثله هذه المواقع على النسيج الاجتماعي خاصة في ظل الانتشار الواسع للإنترنت وسهولة الوصول إلى المحتوى دون أي ضوابط أو رقابة للصغار والكبار
المواقع الإباحية شكلت خلال السنوات الماضية أحد أخطر التحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع فهي لا تقتصر على كونها محتوى مسيئا بل تمثل منظومة متكاملة من التأثيرات السلبية التي تمتد إلى عمق النفس البشرية حيث تؤدي إلى الإدمان وتغييب الوعي وإضعاف الإرادة وتعيد تشكيل نظرة الفرد للعلاقات الإنسانية بشكل مشوه حين تختزلها في بعد مادي سطحي خال من القيم العليا والمعاني السامية الأمر الذي ينعكس على العلاقات الأسرية ويهدد استقرارها ويغذي سلوكيات منحرفة تبدأ بالانحلال الأخلاقي ولا تنتهي عند حدود التفكك الاجتماعي وانهيار مؤسسة الزواج.
عمليا لا يمكن تجاهل ما تشير إليه الدراسات من نسب مرتفعة لتعرض الشباب بل وحتى الأطفال لهذا المحتوى سواء بشكل مقصود أو غير مقصود في ظل غياب الرقابة الأسرية أحيانا وضعف الوعي الرقمي أحيانا أخرى وهو ما جعل من التدخل الحكومي ضرورة حتمية لا ترفا فالدولة هنا لا تتدخل في حرية فردية مجردة بل تتصدى لخطر عام يهدد أجيالا بأكملها ويؤثر على الصحة النفسية والسلوكية ويقود إلى حالات من متصاعدة القلق والاكتئاب والعزلة فضلا عن تراجع التحصيل العلمي وفقدان التركيز والانشغال بعوالم وهمية لا تمت للواقع بصلة حقيقية.
البعد الأخلاقي لهذا القرار لا ينفصل عن البعد القيمي والديني الذي يشكل أحد أعمدة المجتمع الأردني حيث تتعارض هذه المواقع بشكل صارخ مع منظومة القيم التي تقوم على صون الكرامة الإنسانية واحترام الجسد والعلاقة السوية بين الرجل والمرأة كما أن ترك هذا الباب مفتوحا دون ضوابط يعني عمليا السماح بتطبيع الفحش والرذيلة وإعادة إنتاجه داخل المجتمع وهو ما يهدد الهوية الثقافية ويضعف المناعة الأخلاقية لدى الأفراد خاصة في المراحل العمرية الحساسة .
اللافت هنا إن الأهداف الخفية وراء إتاحة هذا المحتوى بشكل مجاني وواسع النطاق تثير الكثير من التساؤلات إذ لا يمكن فصل هذا التدفق الهائل للمحتوى الإباحي عن سياق أوسع يستهدف تفكيك المجتمعات وإضعاف بنيتها القيمية فإشاعة الفوضى الجنسية المتحررة ليست مجرد ظاهرة عابرة بل هي أداة ناعمة لضرب التماسك الاجتماعي وإشغال الشباب في دوامات الإدمان والاستهلاك السلبي بما يحولهم من طاقات منتجة إلى أفراد منهكين نفسيا وعقليا عاجزين عن الإسهام الفاعل في بناء أوطانهم وبناء مستقبلهم.
المخاطر الناجمة عن هذه المواقع لا تقف عند حدود الأخلاق والسلوك بل تمتد إلى الجوانب التقنية والأمنية حيث ترتبط كثير من هذه المواقع ببرمجيات خبيثة ومحاولات اختراق وسرقة بيانات الاخرين ما يجعل من قرار الحجب أيضا خطوة ايجابية هامة في اتجاه تعزيز الأمن السيبراني وحماية المستخدمين من مخاطر رقمية متزايدة وهو بعد مهم يؤكد أن القضية ليست أخلاقية فقط بل هي أيضا مسألة أمن وطني رقمي شامل.
القرار الحكومي الرشيد اعتبر انتصار أخلاقي وخطوة حاسمة لحماية المجتمع ولهذا لقي ترحيبا واسعا من مختلف شرائح المجتمع من أولياء أمور ومؤسسات مدنية ونخب تربوية و سياسية ونيابية باعتباره خطوة طال انتظارها تعكس استجابة حقيقية لمطالب شعبية عبرت عنها حملات ونداءات على مدى سنوات وهو ما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ويؤكد أن الإرادة الشعبية عندما تعبر عن حاجة حقيقية تجد طريقها إلى التنفيذ.
مع ذلك إن القرار على أهميته لا يمكن أن يكون كافيا بذاته إذ يتطلب استكماله بحزمة من الإجراءات المتكاملة تبدأ بتعزيز التوعية في المدارس والجامعات وتفعيل دور الإعلام في بناء ثقافة رقمية مسؤولة وتشجيع الأسرة على ممارسة دورها الرقابي والتربوي إضافة إلى تطوير تشريعات ناظمة تواكب التحولات التقنية وتسد الثغرات التي قد تستغل للالتفاف على الحجب بما في ذلك التعامل مع أدوات تجاوز الحظر.
الغريب بموازاة صدور القرار ادعاء البعض بأن حجب المواقع الإباحية يمثل تقييدا للحريات الخاصة والعامة متجاهلين حقيقة جوهرية مفادها أن الحرية في أي مجتمع منظم لا تكون مطلقة بل تقف عند حدود حماية الآخرين وصون النظام العام والقيم التي يقوم عليها المجتمع والقانون ذاته يميز بين حرية التعبير المشروعة وبين المحتوى الضار الذي يهدد السلامة الأخلاقية والنفسية خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والفئات الأكثر هشاشة ومن هذا المنطلق فإن تدخل الدولة لا يعد انتقاصا من الحرية بل هو ممارسة لواجبها ودورها الطبيعي في تنظيم الفضاء العام بما يحقق المصلحة العامة ويمنع الضرر.
على الصعيد العملي لا يفوتنا ان نبين للمعترضين على القرار ان التجارب العالمية اثبت أن ترك هذا النوع من المحتوى دون ضوابط يؤدي إلى نتائج كارثية على الأسرة والاستقرار الاجتماعي من تفكك العلاقات إلى انتشار السلوكيات المنحرفة والإدمان وما يرافقه من اضطرابات نفسية وهو ما يجعل من الحجب إجراء وقائيا يهدف إلى تقليل هذه الآثار لا إلى مصادرة حرية الأفراد كما أن القانون في كثير من الدول يجرم نشر أو تسهيل الوصول إلى المواد التي تضر بالآداب العامة أو تستغل القاصرين وهو ما يمنح هذا القرار مشروعية قانونية واضحة.
أما من الناحية الأخلاقية والمجتمعية البحتة فإن المجتمع الذي يحميه القانون والنظام العام يمتلك الحق في حماية منظومته القيمية من الانهيار تحت ضغط محتويات تستهدف الغرائز وتفرغ الإنسان من إنسانيته وتحوله إلى مستهلك سلبي لمواد هدامة وعليه فإن الحظر لا يمثل بتاتا قيدا على الحرية بقدر ما هو تنظيم لها ضمن إطار يحفظ كرامة الإنسان ويصون تماسك الأسرة ويمنع تحويل الفضاء الرقمي إلى بيئة فوضوية بلا ضوابط حيث تحكمها المصالح التجارية أو الأجندات المجهولة.
مع الاحترام والتقدير لقرار الحكومة الا انه وفي سياق استكمال هذا النهج الإصلاحي تبدو الحاجة ملحة ايضا للنظر بجدية في تنظيم صارم لعمل البارات والملاهي والنوادي الليلية ومراجعة أثرها الاجتماعي بما ينسجم مع قيم المجتمع ومقتضيات السلامة العامة فالقضية ليست شعارات بل مسؤولية قائمة على الوقائع حيث تشير وقائع متعددة إلى ارتباط بعض هذه البيئات الفاسدة بمشكلات تتعلق بالعنف والإخلال بالنظام العام واستغلال القاصرين ما يستدعي توازنا حكيما بين الحريات الشخصية وحماية المجتمع وعليه فإننا نناشد الحكومة وكافة الجهات المعنية بتبني سياسات أكثر حزما في هذا الملف من خلال تشديد الرقابة وتطبيق القانون دون تهاون وبما يحقق بيئة أكثر أمانا ويحفظ كرامة الإنسان واستقرار الأسرة ضمن إطار قانوني عادل ومتوازن.
ختاما : لا يمكن النظر إلى حجب المواقع الإباحية كإجراء تقني عابر فقط بل كخيار وطني يعكس وعيا جماعيا بخطورة المرحلة وإرادة حقيقية لصون المجتمع من عوامل التآكل الداخلي وهو خطوة في مسار طويل نحو بناء بيئة رقمية منضبطة تحفظ كرامة الإنسان وتدعم تماسك الأسرة وتعيد توجيه طاقات الشباب نحو ما ينفعهم وينفع أوطانهم لتبقى القيم حاضرة كخط دفاع اول وضرورة وطنية لحماية العقول من التدمير الصامت ومواجهة كل ما يهدد إنسانيتنا واستقرارنا الاجتماعي
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |