رم - كتب : المهندس أشرف الطراونة
لم يكن خبر رحيل عمي، الأستاذ الدكتور محمد أحمد الطراونة، رئيس الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية الأسبق والبروفيسور في كلية الاقتصاد / الجامعة الأردنية لعقود من الزمان خبراً عابراً .
كان كأن جزءاً من الذاكرة انطفأ، وكأن صوتاً من أصوات الحكمة التي اعتدناها خفت فجأة...أعزي نفسي أولاً وأعزي اعمامي الغوالي أبناء الشيخ احمد عوض الطراونة رحمه الله وأعزي عشيرتي…وأعزي علماء الأردن …فالفقد ليس فقد عائلة، بل فقد وطن لواحد من رجالاته الذين لم يكونوا مجرد أسماء، بل كانوا قيماً تمشي على الأرض.
كان عمي – رحمه الله – من أولئك الرجال الذين لا يُقاس حضورهم بعدد المناصب، بل بأثرهم في النفوس، وبالأجيال التي خرجوا من بين يديه وهم يحملون شيئاً من علمه وخلقه، وبالقلوب التي أحبته لأنه كان صادقاً، بسيطاً، قريباً من الناس.
كبرنا ونحن نراه نموذجاً للمعلم الحقيقي…لا يعلّم فقط، بل يربي…ولا يوجه فقط، بل يلهم…وحين يرحل رجل كهذا، لا نفقد شخصاً…بل نفقد مدرسة كاملة.
الأردن، يا عمي، يوجعه رحيل أمثالك… لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالمشاريع، بل تُبنى بالرجال الذين يصنعون الإنسان وأنتم كنتم من أولئك الذين صنعوا أجيالاً، وزرعوا فيهم معنى الانتماء، والصدق، والعمل.
إن رحيل العلماء والمربين الكبار ليس حدثاً عادياً في حياة المجتمعات… هو فجوة في الوعي، وغياب لصوت الحكمة، وانقطاع لامتدادٍ كان يصل الماضي بالمستقبل لكن عزاءنا أن أمثالكم لا يرحلون تماماً… يبقون في طلابهم، في كلماتهم، في أثرهم الذي لا يموت.
اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أستطيع أن أفصل بين الحزن والفخر… الحزن لفقدك… والفخر بأنني أنتمي إلى رجل مثلك ورغم بعد المسافات التي حالت بيني وبينك في كثير من اللحظات، إلا أنك لم تكن يوماً بعيداً عني… فملامحك، كانت تسكن وجداني، لأنها كانت تحمل الشيء الكثير من ملامح والدي الحبيب – حفظه الله – ذلك الشبه الذي كان يجعل حضورك مختلفاً، أقرب، وأعمق في نفسي.
كنت أراك، فأرى فيه امتداداً، وأشعر بأن بينكما خيطاً من الطيبة والوقار لا ينقطع واليوم، حين غابت تلك الملامح، أدركت أن الفقد ليس في اللقاء فقط، بل في الصورة التي كانت تطمئن القلب دون أن نشعر.
مؤلم أن يرحل امثالك من الرجال ولكن لا نقول الا ما يرضي ربنا فإنا لله وانا اليه راجعون ... رحمك الله يا عمي…وجعل علمك صدقة جارية… وجعل كل من تعلم منك شاهداً لك لا عليك…
وأسكنك فسيح جناته.