تحطيم جنود الاحتلال تمثال المسيح في جنوب لبنان حقد صهيوني دفين


رم -
د . مهدي مبارك عبد الله

في تاريخ الصراعات الطويلة لا تكون الوقائع المعزولة مجرد أحداث عابرة بل تتحول إلى مفاتيح لفهم أنماط أعمق من السلوك السياسي والثقافي ومن هذا المنطلق فإن حادثة تحطيم جندي اسرائيلي لتمثال السيد المسيح التي وقعت يوم 19 أبريل / نيسان الماضي 2026 في بلدة دبل المارونية بجنوب لبنان لا يمكن قراءتها كتصرف فردي معزول بقدر ما تعكس حقدا دفين وتوترا مركبا بين الدين والسياسة وبين الرمز والسلطة وبين الذاكرة الجماعية والسلوك العسكري المنفلت على الأرض

منذ قرون طويلة شكل موقع السيد المسيح في التاريخ الديني والروحي نقطة تقاطع حساسة بين روايات متعددة بعضها قائم على الإيمان والتقديس وبعضها الآخر على الجدل والخلاف اللاهوتي ومع أن هذه الخلافات بقيت في إطارها الديني والفكري في كثير من الأحيان إلا أن توظيفها في سياقات سياسية أو عسكرية يحولها إلى عناصر صراع ويعيد إنتاجها بطريقة مشحونة بالرمزية والاستفزاز

الفيديو المصور لجندي إسرائيلي وهو يهشم رأس تمثال السيد المسيح بمطرقة بعد إسقاطه من موقعه في قرية دبل بجنوب لبنان أشعل موجة غضب عارمة عالمية على منصات التواصل وعقب تشكيك أولي في صحة الصورة أقر الجيش الإسرائيلي بمسؤولية جنوده عن هذا الانتهاك بعد تحقيق رسمي وقدم بعدها وزير الخارجية الإسرائيلي اعتذار تل أبيب عن الواقعة المشين

في السياق المعاصر لا يمكن فصل أي سلوك يصدر عن جيش يعمل في منطقة نزاع عن بنيته المؤسسية وثقافته العملياتية فالجنود لا يتحركون في فراغ بل ضمن منظومة كاملة من الخطاب السياسي والأمني ومن إدراك مسبق لطبيعة الأرض التي يعملون فيها وما تحمله من حساسيات دينية وتاريخية وعليه فإن استهداف رمز ديني بهذا الحجم حتى لو قدم لاحقا على أنه تصرف فردي يطرح تساؤلات جدية حول حدود الانضباط العسكري وحول طبيعة الوعي الذي يحكم سلوك بعض الجنود في الميدان

بلدة دبل الواقعة في قضاء بنت جبيل ضمن محافظة النبطية ليست مجرد نقطة جغرافية بل جزء من فضاء جنوبي مثقل بتاريخ طويل من الحروب والاعتداءات والتوترات وهي بلدة ذات غالبية مسيحية تحمل في وعيها الجمعي ذاكرة مركبة من الانتماء الديني والوطني معا ما يجعل أي مساس برموزها الدينية مساسا مباشرا بهويتها وكرامتها الجماعية الراسخة

حادثة تحطيم التمثال كما أظهرتها المقاطع المصورة لم تكن مجرد تخريب مادي بل فعل رمزي مكثف فالمطرقة التي هوت على التمثال لم تستهدف حجرا فحسب بل أصابت شعورا دينيا عميقا لدى سكان البلدة وأثارت صدمة تجاوزت حدود المكان إلى العالم المسيحي الأوسع هذا البعد الرمزي هو ما يفسر حجم الغضب الذي تلا الحادثة ويكشف أن القضية لم تكن تقنية أو عرضية بل ذات دلالات أبعد بكثير

محاولة الجيش الإسرائيلي احتواء الموقف عبر تقديم تمثال بديل لم تنجح في تبديد هذا الغضب بل زادت من تعقيد المشهد فالسكان رفضوا الهدية ليس اعتراضا على الرمز الديني بحد ذاته بل على الجهة التي قدمته والسياق الذي جاء فيه في الوعي الجنوبي ولا يمكن فصل الرموز عن مصدرها وقبول مبادرة ظاهرها تعويض بينما جذورها ترتبط بفعل إهانة سابق والاغرب ان الجيش الاسرائيلي قرر في النهاية عدم إحالة الجندي المعتدي على تمثال المسيح إلى اي تحقيق جنائي والاكتفاء بإجراء تأديبي فقط

هذا الرفض الجريء عكس وعيا عميقا بما يعرف بالقوة الناعمة أي استخدام الرموز الدينية أو الثقافية لتخفيف حدة الصورة العسكرية أو إعادة صياغة العلاقة مع المجتمع المحلي غير أن هذا الأسلوب يصطدم غالبا بجدار الذاكرة خاصة في مناطق عانت من الاحتلال والحروب حيث تقرأ كل مبادرة ضمن سياقها السياسي وليس بمعزل عنه

حقيقة الحادثة الجبانة كشفت عن مفارقة لافتة في الخطاب الإسرائيلي الرسمي الذي يقدم نفسه على أنه يحترم التعددية الدينية ويحمي الأماكن المقدسة بينما تظهر على الأرض ممارسات تناقض هذا الادعاء وهذه المفارقة ليست جديدة بل تتكرر في أكثر من ساحة سواء في غزة أو الضفة الغربية حيث تعرضت دور عبادة ومؤسسات دينية لأضرار جسيمة خلال العمليات العسكرية ما يعزز الشكوك حول جدية هذا الخطاب

في المقابل لا يمكن إغفال حقيقة أن المشهد المسيحي في المنطقة ليس أحادي الموقف فقد شهد التاريخ الحديث نماذج بارزة لشخصيات مسيحية عربية انخرطت في مقاومة الاحتلال أو وقفت إلى جانب القضايا الوطنية من رجال دين ومفكرين ومناضلين ما يعكس أن الانتماء الديني لم يكن يوما حاجزا أمام الانخراط في قضايا التحرر والعدالة بل كان في كثير من الأحيان دافعا أخلاقيا لها كما أن الواقع اللبناني ذاته يعكس تعقيدا إضافيا حيث تتقاطع الانتماءات الدينية مع التحالفات السياسية فتظهر حالات دعم أو تقاطع بين قوى مختلفة بما فيها وجود شخصيات مسيحية ضمن بيئات سياسية حليفة لقوى مقاومة وهو ما يبرز طبيعة المشهد المركب الذي لا يمكن اختزاله في ثنائيات بسيطة

بعد ايام قليلة من جريمة تحطيم تمثال المسيح قام جنودً اسرائيليين في نفس بلدة دبل القريبة من الحدود الجنوبية للبنان بتدمير عدة ألواح طاقة شمسية كانت جزءًا من بنية تحتية مدنية تُستخدم من قبل مئات السكان الذين لم يتم إجلاؤهم وبقوا في منازلهم ما يعني أنهم حُرموا من الطاقة التي تولّدها تلك الألواح مما يؤكد ان هذه السلوكيات المتعمدة هي جزء من سياسة إسرائيلية وممنهجة تستهدف سبل الحياة اليومية والرموز الدينية والتاريخ والذاكرة والآثار للمسيحيين والمسلمين معا كما انها تذكر بتدمير عدة مساجد ومواقع دينية في جنوب لبنان خلال العمليات العسكرية في مشاهد أعادت إلى الأذهان ما جرى في قطاع غزة من استهداف لدور العبادة

ختاما : إن حادثة تحطيم تمثال المسيح ليست مجرد واقعة ميدانية بل مرآة تعكس توترات أعمق تتعلق بكيفية إدارة الصراع وبحدود احترام الرموز الدينية في بيئة مشحونة وبفشل بعض الأدوات العسكرية في إدراك حساسية الفضاء الذي تعمل فيه وهي أيضا تذكير بأن الرموز في مناطق النزاع لا تكسر بسهولة ولا ترمم بهدية لأن معناها يتجاوز المادة إلى الذاكرة والكرامة والانتماء وبين المطرقة التي هوت على التمثال والرفض الذي قوبلت به محاولة التعويض تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن الصراع في هذه المنطقة ليس فقط على الأرض بل على المعنى أيضا وأن أي تجاهل لهذا البعد سيعيد إنتاج الأزمات بدل احتوائها

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]




عدد المشاهدات : (396)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :