دراسة لمركز الزيتونة ترصد تحوّل التخابر في حرب غزة من العمل السري إلى النشاط الميداني


رم - كشفت دراسة قانونية تحليلية بعنوان: "التنظيم القانوني لجريمة التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي: دراسة وصفية تحليلية في ضوء الحرب الإسرائيلية على غزة 2023-2025" عن تحوّل عميق في طبيعة جريمة التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب على قطاع غزة (2023–2025)، حيث انتقلت من كونها نشاطاً سرياً يقتصر على نقل المعلومات إلى سلوك ميداني منظم يشمل المشاركة المباشرة في العمليات وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي، ما ضاعف من خطورتها على الأمن الوطني والمجتمعي.
وأوضحت الدراسة، التي أعدّها الباحث الأستاذ ضياء نعيم الصفدي، أن التخابر يُعد من أخطر الجرائم التي تمسّ أمن الدولة الخارجي، كونه يقوم على تلاقي إرادة المتخابر مع جهة معادية بهدف تبادل معلومات أو تقديم عون يمسّ بالمصالح العليا، بأي وسيلة كانت، سواء تقليدية أو إلكترونية. ورغم عدم وجود تعريف صريح في التشريعات الفلسطينية، فإن القضاء والفقه استقرا على اعتبار أي اتصال أو تفاهم مع العدو، ولو دون نتيجة فعلية، جريمة مكتملة الأركان، وهو ما يعكس تشدداً قانونياً واضحاً في هذا المجال.
وبيّنت الدراسة الصادرة عن مركز الزيتونة للدرسات والاستشارات أن المشرّع الفلسطيني جرّم التخابر عبر منظومة تشريعية متعددة، من بينها قانون العقوبات الثوري لعام 1979 وقوانين أخرى مطبقة في غزة والضفة، حيث تتسم هذه القوانين بصرامة واضحة، إذ تُعدّ الجريمة قائمة بمجرد السلوك، دون اشتراط تحقق ضرر، كما تتسع لتشمل أفعالاً متعددة مثل نقل المعلومات، أو الالتحاق بقوات الاحتلال، أو تقديم الدعم اللوجستي، أو حتى الامتناع عن الإبلاغ عن المتخابرين.
وفي ما يتعلق بالعقوبات، أشارت الدراسة إلى أن الإعدام يُعد العقوبة الغالبة في معظم صور التخابر، لا سيما في حالات التجسس، وتقديم معلومات عسكرية، والانضمام إلى العدو أو معاونته، بينما تتدرج العقوبات في حالات أخرى إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، خصوصاً في الجرائم التي لا تكتمل فيها النتائج أو تتعلق بالتقاعس عن الإبلاغ. ويخضع النظر في هذه القضايا للقضاء العسكري في قطاع غزة، مع اختصاص محاكم الميدان في زمن الحرب، بما يضمن سرعة الفصل في القضايا ذات الطابع الأمني الحساس.
وكشفت الدراسة عن تطور لافت في أنماط التخابر خلال الحرب الأخيرة، حيث رُصدت مجموعات محلية مسلحة في مناطق مختلفة من القطاع، من بينها رفح وخان يونس وشرق غزة والشمال، تعمل بشكل منظم بالتنسيق مع الاحتلال. ووفق المعطيات، فإن بعض هذه المجموعات ضمّ مئات الأفراد، وتولت مهام ميدانية مباشرة مثل إنشاء نقاط رصد، ومراقبة تحركات المقاومة، ونقل معلومات دقيقة، بل والمشاركة في عرقلة العمليات وتهديد المقاومين، إلى جانب استخدام مواقع مدنية لتقديم الدعم اللوجستي.
كما تناولت الدراسة دوافع الانخراط في التخابر، مشيرة إلى أنها متعددة ومتشابكة، تبدأ من العوامل الاقتصادية كالفقر والبطالة، مروراً بالمصالح الشخصية مثل الحصول على تصاريح عمل أو تسهيلات، وصولاً إلى الضغوط النفسية والظروف الاجتماعية القاسية. وأكدت أن الاحتلال يستغل هذه العوامل بشكل منهجي عبر الإغراء والابتزاز والضغط النفسي، مستفيداً من ضعف الوعي والوازع الوطني والديني لدى بعض الأفراد.
وحذّرت الدراسة من التداعيات الاجتماعية العميقة لهذه الظاهرة، إذ تؤدي إلى انهيار الثقة بين أفراد المجتمع، ونشر الشك والخوف، وتقويض القيم، ما يخلق بيئة داخلية مضطربة تسهّل الاختراق الأمني وتخدم أهداف الاحتلال دون مواجهة مباشرة.
وفي ختامها، دعت الدراسة إلى تعزيز الردع القانوني عبر تطبيق العقوبات بصرامة، وتوحيد التشريعات الفلسطينية، وتفعيل دور القضاء المختص، إلى جانب رفع مستوى الوعي الأمني والمجتمعي، وتشجيع الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة، مع الاستمرار في رصد وتحليل أنماط التخابر. وأكدت أن مواجهة هذه الجريمة لا تقتصر على العقاب، بل تتطلب بناء منظومة وقائية شاملة تحصّن المجتمع وتحافظ على تماسكه في ظل التحديات المتصاعدة.

https://www.alzaytouna.net/arabic/data/attachments/AcademicArticles/PA_DiyaalSafadi-LegalFramework-CrimeIsrael-GW2325_4-26.pdf



عدد المشاهدات : (4204)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :