العنوان : أستدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني ح ٣


رم - الحلقة الثالثة من سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
عنوان الحلقة: عودة الحياة الديمقراطية 1989: حِكمة الحسين، ثنائية "بدران - بن شاكر"، والدور الريادي لمروان المعشر
**
أهلاً بكم ومرحباً أعزائي المتابعين في هذه الحلقة الثالثة من سلسلتنا الوطنية، سنتوقف اليوم عند محطة استثنائية شهدت عبوراً آمناً وحكيماً من أزمة عاصفة إلى فجر ديمقراطي جديد؛ محطة تجلت فيها حكمة الملك الباني الحسين بن طلال في إدارة دفة الدولة مستعيناً برجالات الأردن الأوفياء: الشريف زيد بن شاكر ومضر بدران، مع تسليط الضوء على الدور العلمي والسياسي البارز الذي لعبه د. مروان المعشر في تلك المرحلة.
**
المحور الأول: "فتح الطنجرة".. فلسفة مضر بدران في مواجهة الأزمة
بعد أحداث نيسان 1989، عاد الحسين إلى الوطن وبدأ سلسلة مشاورات مكثفة مع أقطاب الدولة. في تلك اللقاءات الصريحة، برز بُعد نظر مضر بدران السياسي؛ فعندما ساد التخوف من نتائج أي انتخابات محتملة، قدم بدران للملك نصيحة تاريخية وصفها بمقولته الشهيرة: "سيدي، يجب أن نفتح الطنجرة ونرى ما في داخلها".
كان بدران يؤمن أن الكبت والعمل السري هما الخطر الحقيقي، وأن صناديق الاقتراع هي الوسيلة الوحيدة والشرعية لمعرفة تطلعات الشعب وتفريغ شحنات الغضب داخل قبة البرلمان بدلاً من الشارع. لقد كانت هذه الرؤية هي حجر الزاوية الذي طمأن القيادة ودفع باتجاه استئناف المسيرة الديمقراطية رغم كل التحذيرات الأمنية التي كانت ترى في الانتخابات "مجازفة غير مأمونة".
**
المحور الثاني: الشريف زيد بن شاكر.. اختيار "الضامن" وأزمة ثقة "النخبة السياسية"
أمام استحقاق التغيير، كان الحسين يبحث عن رئيس للوزراء يتحلى بصفات خاصة، قادر على استعادة ثقة الشعب التي اهتزت بالنخبة السياسية التقليدية. وفي اجتماع ضم الأمير الحسن وعدنان أبو عودة، طرح الأخير اسم "زيد بن شاكر" كخيار أمثل، دعم مضر بدران هذا التوجه بقوة، مؤكداً أن المرحلة تتطلب رجلاً عسكرياً يحظى بقبول واسع لدى العشائر والبادية، وهو ما كان يمثله "أبو شاكر" برصيده الكبير في القوات المسلحة وعلاقاته الإنسانية الوثيقة مع مختلف فئات الشعب، ليكون "الضامن" للانتقال السلس من الأحكام العرفية إلى الديمقراطية المنضبطة.
​وفي خضم التحضير لتلك المرحلة الدقيقة، برزت التخوفات الأمنية بشكل جلي؛ إذ تُسجل المذكرات تفاصيل اللقاء الذي قدم فيه سميح البطيخي، نائب مدير المخابرات العامة آنذاك، قراءته الأمنية والسياسية للمشهد، مسلطاً الضوء وبشكل مكثف على أزمة "النخبة السياسية" التقليدية. فقد حذر البطيخي من أن هذه النخبة قد تآكلت شعبيتها وفقدت مصداقيتها ورصيدها تماماً في الشارع الأردني إثر الأزمة الاقتصادية وأحداث نيسان، وباتت في أضعف حالاتها.
​وأكد البطيخي أن الدفع نحو إجراء انتخابات نيابية في ظل السقوط المدوي والفراغ الذي خلفته النخب السياسية التقليدية، سيترك الساحة خالية تماماً أمام الجهات الأكثر تنظيماً، مما سيؤدي حتماً إلى فوز كاسح للمعارضة والتيار الإسلامي واكتساحهم لصناديق الاقتراع. كان هذا الطرح الأمني ينبع من واقع أزمة الثقة العميقة بين الشارع والنخبة، إلا أن إرادة الانفتاح، وحكمة القيادة في ضرورة إشراك الجميع وتحملهم للمسؤولية تحت قبة المؤسسات التشريعية، كانت هي الكلمة الفصل، لتتجاوز الدولة تلك التخوفات بخطى واثقة.
وفي كتاب تكليفه، تعهد الشريف زيد أمام الحسين والشعب بإجراء انتخابات تكون مثالاً في النزاهة والشفافية، ليبدأ فوراً ورشة عمل قانونية لإلغاء القوانين المقيدة للحريات وتخفيض سن الناخب إلى 18 عاماً، فاتحاً الأبواب أمام عهد جديد من المصالحة الوطنية.
**
المحور الثالث: مروان المعشر.. مهندس القراءة العلمية للشارع
في خضم التحضير لهذا التحول، استعان الشريف زيد بن شاكر بطاقات شبابية واعدة، وكان على رأسهم الدكتور مروان المعشر، الذي انتُدب ليعمل مستشاراً إعلامياً لرئيس الوزراء، ولم يكن دور المعشر استشارياً تقليدياً، بل كان "دينامو" المرحلة في الانتقال من التخمينات السياسية إلى القراءات العلمية.
ففي ظل تباين تقديرات الأجهزة الأمنية حول قوة التيارات السياسية، اقترح المعشر إجراء "استطلاع للرأي العام" لمعرفة اتجاهات الناخبين بدقة، وهو ما كان يُعد سابقة في تاريخ الأردن السياسي.
**
المحور الرابع: صدق العلم وكذب التخمينات
تولى الخبير طوني صباغ إجراء الاستطلاع بإشراف المعشر ( تم عمل الاستطلاع في عمان واربد والزرقاء فقط)، وجاءت النتائج صادمة لمؤسسات الدولة؛ فقد توقع الاستطلاع بدقة فوز الإسلاميين بـ 13 مقعداً في عمان وإربد، وفوز أقطاب معارضة مثل ليث شبيلات وفارس النابلسي وطاهر المصري. حينها، شككت جهات مسؤولة في هذه الأرقام، ولكن حين ظهرت النتائج الرسمية، كانت "مطابقة تماماً" لتوقعات الاستطلاع، مما أثبت دقة المنهجية العلمية التي أصر عليها المعشر في قراءة نبض الشارع.
**
المحور الخامس: ثنائية "بدران - بن شاكر" والعبور الكبير
بعد نجاح الانتخابات التاريخية، تجلت ثنائية الوفاء في تبادل المواقع؛ استقال الشريف زيد بعد أن أنجز مهمته الانتقالية، ليحل محله مضر بدران لمواجهة "برلمان الغضب".
عاد أبو شاكر رئيساً للديوان الملكي ليكون صمام الأمان بجانب الحسين، بينما نزل "أبو عماد" إلى الميدان البرلماني ليدير حواراً وطنياً شاقاً، مؤمناً بأن الديمقراطية هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لصون الوطن.
إلى هنا نصل إلى ختام حلقتنا، دمتم بحفظ الله ورعايته.
**
التوثيق العلمي:
1. مذكرات مضر بدران، كتاب "القرار"، الطبعة الأولى 2020، ص 247-256.
2. مذكرات زيد بن شاكر، كتاب "من السلاح إلى الانفتاح" لـ نوزاد الساطي، الطبعة الأولى 2019، ص 408-440.



عدد المشاهدات : (4317)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :