كيف تدير الصين معادلة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران؟


رم - أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات تقديره استراتيجي 143، والذي يقدّم قراءة معمّقة لسلوك الصين في ظلّ الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، ويكشف عن شبكة معقّدة من الحسابات التي تجعل بكين لاعباً حذراً، لكنه حاسم في لحظات الخطر الاستراتيجي.
ويطرح التقدير، الذي أعدّه د. محمد مكرم بلعاوي، فرضية مركزية مفادها أن الصين لا تتعامل مع الحرب بوصفها أزمة إقليمية فحسب، بل باعتبارها اختباراً حقيقياً لمصالحها الحيوية ولموقعها في النظام الدولي، حيث تتقاطع ثلاثة محددات رئيسية: أمن الطاقة، ومشاريعها الجيوسياسية الكبرى، وصراعها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
وتكشف الدراسة أن إيران تمثّل بالنسبة للصين أكثر من مجرد شريك اقتصادي؛ فهي ركيزة أساسية في أمن الطاقة الصيني، إذ تستورد بكين نحو 90% من صادرات النفط الإيراني، بما يتراوح بين 1.2 و1.5 مليون برميل يومياً بأسعار تفضيلية، في ظل العقوبات الغربية. كما ترتبط الدولتان باتفاقية "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" الموقعة عام 2021، والتي تتضمن استثمارات صينية تُقدّر بنحو 400 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
ولا تتوقف أهمية إيران عند النفط، بل تمتد إلى موقعها الجغرافي بوصفها حلقة مركزية في مشروع "الحزام والطريق"، حيث تشكّل ممراً برياً يربط شرق آسيا بأوروبا عبر ما يُعرف بـ"الجسر الأوراسي"، بما يخفف اعتماد الصين على الممرات البحرية الخاضعة للنفوذ الغربي، مثل مضيق ملقا.
ويشير التقدير إلى أن السلوك الصيني محكوم بمعادلة دقيقة وهي منع سقوط إيران دون خسارة شركائها الآخرين. فبكين ترتبط بعلاقات اقتصادية ضخمة مع دول الخليج العربي، يتجاوز حجم التبادل التجاري معها 300 مليار دولار، كما تحافظ على قنوات تعاون تكنولوجي واقتصادي مع "إسرائيل". ويدفع هذا التوازن الصين إلى تجنّب الانخراط العسكري المباشر، مع الاستمرار في دعم طهران بوسائل غير تقليدية، مثل شراء النفط، وتفعيل أنظمة مالية بديلة باستخدام اليوان الصيني، للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
وترصد الدراسة تحركاً صينياً نشطاً على المستوى الدبلوماسي، ففي مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة تسعى بكين إلى منع تكريس سوابق قانونية تشرعن "الضربات الاستباقية" أو "تغيير الأنظمة بالقوة"، وهي سوابق تخشى أن تُستخدم مستقبلاً ضدها في ملفات مثل تايوان أو بحر الصين الجنوبي. وفي الوقت نفسه، تعمل الصين على تدويل الأزمة عبر منصات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بهدف حشد موقف دولي مناهض للعقوبات الأحادية، وتقديم نفسها كقوة داعمة لـ"الجنوب العالمي". كما تصف بكين العقوبات الغربية على إيران بأنها "إرهاب اقتصادي"، وتسعى إلى تعزيز نظام الدفع الصيني (CIPS) كبديل لنظام "سويفت"، بما يسمح باستمرار تدفق التجارة بعيداً عن هيمنة الدولار.
وعلى المستوى العملياتي، يكشف التقدير عن أشكال دعم غير مباشر تقدّمها الصين لإيران، تشمل التعاون الاستخباراتي والدفاع السيبراني، وإتاحة استخدام نظام الملاحة الفضائية الصيني "بيدو"، ما يعزز قدرات طهران العسكرية دون انخراط صيني مباشر في القتال. وترى الدراسة أن هذا النمط من الدعم يمثّل نموذجاً صينياً للحروب غير المباشرة، يوازن بين حماية المصالح وتجنّب التصعيد مع الولايات المتحدة.
ويقدّم التقدير ثلاثة سيناريوهات رئيسية للسلوك الصيني في المرحلة المقبلة، ويرجّج السيناريو الأول، الذي يقوم على الاكتفاء بالدعم الدبلوماسي والاقتصادي، في حال بقيت الحرب ضمن حدودها الحالية، بما يسمح لبكين بالاستفادة من استنزاف واشنطن دون المخاطرة بمصالحها.
ويشير السيناريو الثاني إلى رفع مستوى الدعم التقني والاستخباراتي، إذا تعرّضت البنية النفطية الإيرانية لضربات قاسية أو تصاعدت محاولات تغيير النظام. أما السيناريو الثالث وهو الأقصى، فيقوم على انخراط استراتيجي أوسع، قد يشمل انتشاراً بحرياً لحماية خطوط الطاقة، في حال تهديد مباشر لإمدادات النفط أو إغلاق الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
وتخلص الدراسة إلى أن الصين تنظر إلى الحرب أيضاً كفرصة استراتيجية لاستنزاف الولايات المتحدة وتشتيت تركيزها عن شرق آسيا، بما يخدم طموح بكين في تسريع الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. لكنها في المقابل، تضع "خطاً أحمر" واضحاً يتمثل في منع انهيار النظام الإيراني، لما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على أمن الطاقة، ومشاريع "الحزام والطريق"، وتوازنات النفوذ في آسيا.
وفي المحصلة، يؤكد التقدير أن بكين ستواصل سياسة "الصعود الحذر"، لكنها قد تجد نفسها مضطرة تدريجياً إلى الانخراط بشكل أعمق إذا تجاوزت الحرب حدودها الحالية، ما يجعل الموقف الصيني عاملاً حاسماً في رسم مآلات الصراع، وربما في إعادة تشكيل النظام الدولي برمّته.



عدد المشاهدات : (4107)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :