تعقيبا على تصريح نقيب الأطباء: أرى كأنّ الأرقام ليست أرقامًا، بل كواكب مزدحمة في مجرّةٍ ضاقت بمداراتها… ثلاثة وعشرون ألف روحٍ تتعلّم فنَّ ملامسة الألم، وعشرون ألفًا أخرى تهاجر عبر خرائط الغياب، تبحث عن شمسٍ أخرى تُشرق على شهاداتها، لكن السؤال الذي يتسلّل كظلٍّ ثقيل: هل نُحصي الأطباء، أم نُحصي الفراغ الذي ينتظرهم؟
في هذا المشهد، لا تبدو الأزمة حدثًا طارئًا، بل كائنًا يتغذّى على التأجيل؛ ينمو بصمتٍ في تلافيف القرار، حتى يغدو حقيقةً تُثقل الزمن، أربعة آلافٍ وأربعمئة خريجٍ يعبرون بوابة التخرج سنوياً، لكن ألفًا وأربعين فقط يجدون مقعدًا في قطار الاختصاص… كأنّ البوابة أوسع من الطريق، وكأنّ الحلم أكبر من الممرّ الذي يُفترض أن يحتضنه، أليس عجيبًا أن نُتقن صناعة البدايات، ونعجز عن هندسة النهايات؟ أن نزرع آلاف الغراس في تربةٍ لا تتّسع إلا لعُشرها، ثم نتساءل: لِمَ يذبل الباقي؟
إنّ المشكلة هنا ليست رقمًا زائدًا، بل فكرةٌ ناقصة؛ ليست في كثرة الخطى، بل في غياب البوصلة، فحين يُترك الطبيب على حافة الانتظار، بلا تدريبٍ كافٍ ولا أفقٍ واضح، يتحوّل العلم إلى عبء، والطموح إلى قلقٍ مؤجَّل، ويغدو “الاختصاص” لا مسارًا للتقدّم، بل عنق زجاجةٍ تختنق عنده الآمال، وهنا، يتجلّى الاستغراب في أقسى صوره: كيف نؤجّل الحلول حتى تتجذّر المشكلة؟ كيف نسمح للزمن أن يتراكم كدينٍ ثقيل، بدل أن نستثمره كفرصةٍ مبكرة؟ إنّ الحكمة ليست في إطفاء الحريق، بل في قراءة الشرارة قبل أن تُولد، ربما كان الحلّ أشبه بفلسفةٍ تُعيد ترتيب العلاقة بين “العدد” و”القدرة”، بين “التعليم” و”السوق”، بين “الحلم” و”الإمكان”، أن نُدرك أنّ التخطيط ليس ترفًا إداريًا، بل هو فنّ استباق الكارثة؛ وأنّ كل مقعدٍ دراسيٍّ بلا امتدادٍ مهني، هو وعدٌ ناقص، أو نصفُ حقيقة، وفي العمق، تبدو الأزمة كمرآةٍ لزمنٍ يركض أسرع من وعيه… زمنٍ يُنتج أكثر مما يحتمل، ويأمل أكثر مما يُعدّ، لكن، وسط هذا الضباب، تظلّ هناك ومضة: أن الحلول لا تأتي من كثرة الردود، بل من جودة السؤال؛ وأنّ الإنقاذ يبدأ حين نمتلك شجاعة الاعتراف بأنّ المشكلة لم تكن يومًا في الأطباء، بل في الطريق الذي لم نُحسن رسمه لهم.
ولعلّ الخاتمة لا ينبغي أن تكون قفلًا يُحكم على الحكاية، بل مفتاحًا يُعاد به فتح الأفق…فالحلّ ليس قرارًا عابرًا، بل معمارُ رؤيةٍ تُشيَّد حجراً حجراً؛ أن نُعيد توزيع الضوء قبل أن نلعن الظلام، وأن نُقنّن الحلم لا لنحدّه، بل لنحفظ له مساره من التشتّت، أن تُعاد هندسة القبول كما تُهندس الجسور: بميزان الحاجة لا باندفاع الرغبة، وببوصلة السوق لا بصدفة المقاعد، وأن تتحوّل برامج الاختصاص من عنقٍ ضيّق إلى شرايين ممتدّة، تتشعّب حيث النقص، وتنبض حيث الفراغ، ثمّ أن يُفهم الطبّ لا كطريقٍ واحدٍ مستقيم، بل كغابة احتمالات: في البحث، في التقنيات، في الطبّ الرقمي، في خرائطٍ لم تُكتشف بعد، وأن يُصاغ للطبيب منذ خطوته الأولى وعيٌ مزدوج: أن الوطن ليس حدًّا لطموحه، ولا الغربة خلاصًا مطلقًا، بل كلاهما مجالٌ لصناعة القيمة إن أُحسن التوجيه.
هكذا فقط، تتحوّل الأعداد من عبءٍ إلى طاقة، ومن أزمةٍ إلى فائض منتج. وهكذا فقط، لا نُطفئ النار بعد اشتعالها، بل نُعيد كتابة قانون الشرارة نفسها… حتى يغدو المستقبل، لا ساحة ازدحام، بل فضاءً منظمًا تتسع فيه الخطى بقدر ما تتّسع الرؤى.
أ.د.غازي عبدالمجيد الرقيبات
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |