الجامعات المعاصرة من قاعات التدريس الى صناعة التأثير عبر المثلث الذهبي


رم - ‏ شهد في الآونة الأخيرة قطاع التعليم العالي لا سيما في العالم العربي تحولات متسارعة فأصبحت الجامعات ليست مجرد مؤسسة تقليدية تُعنى بالتدريس وإصدار الشهادات، ولكن اضطلعت بدور اقتصادي ومعرفي أكثر تأثيرا عما قبل، وفي ضوء هذا السياق أصبح الحديث أكثر عن مفهوم الجامعة المنتجة باعتباره مدخل يعمل على إعادة توضيح دور الجامعات ويضعها في قلب التنمية والابتكار، هذا التحول طرح تساؤل جوهري حول مدى إمكانية تقاطع فكرة الجامعة المنتجة ومتطلبات الاعتماد الأكاديمي مع معايير التصنيفات الدولية، وفي عصر الرقمنة الذي تحول به الوصول للمعرفة عبر ضغطة زر على شاشة جهاز محمول، وبالتالي لم يعد دور الجامعة المعاصرة محصورا على نقل المعرفة داخل جدران القاعات التدريسية، ولكنه انتقل لمرحلة ارقى واعمق وتتمثل بصناعة المعرفة والاستثمار بها في ظل تنافس محتدم على التميز بين المؤسسات الأكاديمية عموما، ومع بروز المثلث الذهبي الذي يؤرق المؤسسات الأكاديمية والمتمثل بثلاثة أبعاد تشكل خارطة الطريق لأي جامعة تطمح للريادة وهي الجامعة المنتجة، والاعتماد الأكاديمي، والتصنيفات الدولية.
‏الجامعة المنتجة هي التي تنتقل بمفهومها المتعارف عليه الذي يمثل قاعات تدريس إلى مفهوم يسعي لإيجاد قيمة مضافة من خلال عدم اكتفائها بنقل المعرفة فحسب ولكن تعمل على إنتاجها وتوظيفها اقتصاديا ومجتمعيا، وبهذا فإنها تكون تجاوزت مرحلة الاستهلاك المعرفي لتصبح شريك في التنمية الاقتصادية عبر تحويل أبحاثها المختبرية إلى براءات اختراع وطلابها لرواد أعمال وقاعاتها إلى حاضنات استثمارية تدر دخلا لتحريرها من القيود المالية التقليدية وهذا بدوره يمنح الجامعة استقلالية استراتيجية تسمح لها بالاستثمار في جودتها التعليمية.
‏وفيما يتعلق بالاعتماد الأكاديمي الذي يمثل ضمان الجودة من خلال إيجاد إطار يضمن الجودة التعليمية من خلال كفاءة البرامج الأكاديمية، وثلّة من أعضاء الهيئة التدريسية ذوي الكفاءة العالية، إضافة لوجود بنية تحية تعليمية تسهم في الوصول لمخرجات تعلم أفضل، وعبر ختم الجودة الذي يمثل الأساس المتين الذي يبرهن على أن الجامعة منتجة من خلال ضمانه بأن جودة مخرجات الجامعة تلبي معايير الجودة العالمية، فعلى سبيل المثال علاقة الجودة بالإنتاج بالمعرفي حيث يتم فرض معايير دقيقة على البحث العلمي، وكفاءة الخريجين والتي تمثل المواد الخام التي تحتاجها الجامعة المنتجة لتسويق نفسها للمجتمع والصناعة، أضف لذلك علاقة الجودة بالتنظيم الاكاديمي الذي يعمل على توفير الهيكل الإداري والمالي السليم لضمان استدامة المشاريع الإنتاجية داخل وخارج الحرم الجامعي.
‏وبخصوص التصنيفات الدولية فهي تمثل مرآة للأداء العالمي باعتبارها أداة قياس لمكانة الجامعات على المستوى العالمي والتي ترتكز بدورها على مؤشرات مثل نشر الأبحاث العلمية، والسمعة المؤسسية، والتعاون والشركات الدولية، هذه المؤشرات تسهم في التفوق الأكاديمي ومن أبرز الأمثلة على التصنيفات الدولية (QS, Times, Shanghai). فالمؤشرات لهذه التصنيفات ليست مجرد استعراض للقوة، بل هي نتيجة طبيعية للتفاعل بين الإنتاجية والجودة التي تمثل العمود الفقري للجامعة المنتجة.
يتضح لنا ان العلاقة بين الجامعة المنتجة والاعتماد الأكاديمي والتصنيفات الدولية وبكل صراحه هي أن الجامعات المنتجة تسهم بشكل كبير ومباشر في بناء الدول والأوطان، وهنا يجب التوضيح ان الدولة لا تنهض بتعداد الشهادات والخريجين، ولكن تنهض بتوفر الجامعات المنتجة فيها والتي تعمل على تحويل البحث إلى قرار، والفكرة إلى مشروع، والعلم إلى اقتصاد. ولكن. تكمن الكارثة عندما يصبح الاعتماد الاكاديمي على الورق فقط من خلال تقارير تُجمل وجودة تُزور، وهنا ينقلب التعليم من قوة للدولة إلى وهم كبير، فالاعتماد الحقيقي يجب ان يكون مستقل وحيادي لا يخضع لضغوطات من اي جهة او مجاملة لأي مؤسسة وبالتالي يقال للمخطئ أخطأت، وللمتميز تقدمت، تمامًا كما هو الحال بأساليب التدريس فإذا اعتمدت تلك الأساليب على نقل للمعلومة فهي بلا محاله ستقتل الجامعة، وكذلك الأمر لدى الطالب إذا استمر على نهج الحفظ سيقتل المستقبل، وعليه يجب على الدول ان تدعم الاستقلال الاكاديمي او عليها القبول بأجيال قادمة بلا مهارة او توجه واضح، فالتعليم عند الدول المتقدمة وجامعاتها المنتجة لا يعتبر خدمة بل هو سيادة بحد ذاته.
وفي نهاية المطاف نصل إلى نتيجة حتمية أن العلاقة بين هذه المفاهيم ليست تنافسية بقدر ما هي تكاملية فالجامعة المنتجة تحتاج لاعتماد أكاديمي قوي يضمن جودة مخرجاتها كما أن إنتاجيتها البحثية والتطبيقية تسهم مباشرة في تحسين موقعها في التصنيفات الدولية، هنا نصل لخلاصه مفادها أن الجامعة المنتجة هي التي تعزز القيمة والتأثير، وبالمقابل الاعتماد الأكاديمي يوفر غطاء الجودة لمخرجات التعليم، فيما تعزز التصنيفات الدولية النتائج الاكاديمية والسمعة الدولية. وعبر هذه التوليفة نجد أن التحدي الحقيقي يكمن في التوازن وليس في التضحية، اي بمعنى التوزان بين هذه الأبعاد الذي يضمن عدم طغيان بعد على آخر فالتركيز المفرط مثلاً على التصنيفات الدولية قد يدفع بعض الجامعات للاهتمام بالنشر الكمي على حساب الجودة، وبالمقابل قد يؤدي السعي نحو الإنتاجية الاقتصادية لإهمال الجوانب الأكاديمية الأساسية، وعليه يجب على الجامعات إدارة هذا التوازن بذكاء لإنتاج المعرفة الحقيقية التي من خلالها تحافظ على جودتها التعليمية وتعزز حضورها العالمي في آن واحد.‏ وبهذا نصل إلى المبتغى المنشود الجامعة المنتجة التي تعتبر خط دفاع اول عن الأوطان.
د. علاء عباس الطهراوي



عدد المشاهدات : (852)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :