مفاوضات إسلام آباد : اختبار الثقة الذي فشل على صخرة التعنت الامريكي


رم -
د. مهدي مبارك عبد الله

جولة المفاوضات التي احتضنتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم السبت الماضية جاءت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية بعد حرب امتدت أربعين يوما وأعادت رسم كثير من معادلات القوة في الشرق الأوسط وبينما كانت الآمال معلقة على أن تشكل هذه الجولة مدخلا لوقف التصعيد وفتح أفق سياسي جديد انتهت المباحثات إلى طريق مسدود مؤكدة عمق الفجوة بين واشنطن وطهران وصعوبة الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التسوية

في صلب هذه المفاوضات برز الملف النووي بوصفه العقدة الأكثر تعقيدا حيث أصرت الولايات المتحدة على الحصول على التزام حاسم يمنع إيران من تطوير سلاح نووي مع طرح أفكار تتجاوز مجرد الرقابة إلى مطالب تمس جوهر السيادة مثل نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد وهو ما اعتبرته طهران محاولة لانتزاع ما عجزت عنه الضغوط العسكرية والسياسية خلال الحرب في المقابل تمسكت إيران بحقها في برنامج نووي سلمي ورفضت تقديم تنازلات استراتيجية دون ضمانات حقيقية ورفع شامل للضغوط

الخلاف لم يكن محصورا في الملف النووي فقط بل امتد ليشمل قضايا أكثر حساسية وخطورة وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي تحول من ممر مائي استراتيجي إلى ورقة ضغط مركزية في التفاوض حيث سعت واشنطن إلى ضمان فتحه وتأمينه دوليا بينما تعاملت معه طهران باعتباره جزءا من أمنها القومي وورقة سيادية لا يمكن التنازل عنها إلا ضمن اتفاق شامل يضمن حقوقها وهو ما جعل هذا الملف أحد أبرز أسباب انهيار المباحثات

المفاوضات بساعاتها الظويلة كشفت عن فجوة عميقة في الأولويات السياسية بين الطرفين حيث حاولت الولايات المتحدة حصر النقاش في القضايا النووية والأمنية المباشرة مع استبعاد ملفات إقليمية مثل لبنان في حين رأت إيران أن أي تسوية لا يمكن أن تكون مجتزأة وأن الترابط بين الساحات جزء من معادلة التوازن التي فرضتها الحرب هذا التباين في الرؤية أدى إلى تعقيد إضافي وأفشل إمكانية الوصول إلى أرضية مشتركة

العامل الأكثر حسما في فشل هذه الجولة كان انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين فطهران التي دخلت المفاوضات وهي تحمل إرثا طويلا من التجارب الفاشلة والوعود غير المنفذة لم تجد في الطرح الأمريكي ما يبدد شكوكها في المقابل تعاملت واشنطن مع المفاوضات من موقع القوة معتبرة أنها حققت مكاسب ميدانية كافية تتيح لها فرض شروطها هذا التناقض بين منطق الشراكة ومنطق الإملاء جعل أي تقدم حقيقي أمرا شبه مستحيل

إضافة إلى ذلك جرت المفاوضات في ظل أجواء من التهديد والتصعيد العسكري وهو ما أضعف فرص نجاحها منذ البداية إذ لا يمكن لأي عملية تفاوضية أن تنضج تحت ضغط القوة واستعراضها ومع استمرار التحركات العسكرية والتلويح بخيارات مثل الحصار البحري بدا واضحا أن المسار السياسي لم يكن منفصلا عن أدوات الضغط بل كان امتدادا لها وهو ما أفقده المصداقية
مع اعلان هذا الفشل تبرز عدة سيناريوهات محتملة أولها عودة التصعيد العسكري خاصة مع اقتراب نهاية هدنة الأسبوعين واحتمال انهيارها في ظل غياب أي تقدم سياسي وثانيها استمرار حالة الشد والجذب دون انفجار شامل عبر إدارة الأزمة من خلال رسائل متبادلة وضغوط محسوبة أما السيناريو الثالث فيتمثل في استئناف المفاوضات في جولات لاحقة لكن بشروط مختلفة قد تفرضها تطورات الميدان أو ضغوط دولية متزايدة

على مستوى مضيق هرمز فإن أي تصعيد حوله قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية أوسع نظرا لأهميته الحيوية للاقتصاد العالمي إذ لا يبدو أن المجتمع الدولي مستعد لقبول إغلاقه أو إخضاعه لسيطرة طرف واحد وهو ما قد يدفع قوى دولية إلى التدخل المباشر لضمان حرية الملاحة الأمر الذي يجعل هذا الملف نقطة اشتعال محتملة تتجاوز حدود النزاع الثنائي

رغم قتامة المشهد الحالي لا يمكن استبعاد عودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات فالتجارب السابقة تشير إلى أن الأزمات الكبرى غالبا ما تمر بمراحل تعثر قبل أن تنضج تسوياتها غير أن أي جولة قادمة لن تكون مجدية ما لم يجر تعديل جوهري في منهج التفاوض بحيث ينتقل من فرض الشروط إلى بناء الثقة ومن إدارة الصراع إلى البحث عن توازنات واقعية

العوائق التي حالت دون الوصول إلى اتفاق في هذه الجولة والتي يُتوقع أن تستمر في تعطيل أي مسار تفاوضي مستقبلي عديدة تضاربت فيها الرؤى حول مفهوم السيادة وحدود التنازل المقبول إذ تنظر طهران إلى برنامجها النووي وموقعها الجيوسياسي بوصفهما جزءا من أمنها القومي غير القابل للمساومة في حين تتعامل واشنطن مع هذه الملفات باعتبارها عناصر يجب ضبطها أو تحجيمها ضمن معادلة أمنية أوسع تخدم مصالحها وحلفاءها كما يشكل غياب الضمانات القانونية والسياسية أحد أبرز المعضلات حيث تفتقر إيران إلى الثقة في أي التزام أمريكي طويل الأمد في ظل تغير الإدارات وتبدل السياسات إضافة إلى ذلك فإن تشابك الملفات الإقليمية من لبنان إلى الخليج يجعل أي اتفاق جزئي عرضة للانهيار فضلا عن تأثير العامل الإسرائيلي والضغوط الداخلية في كلا البلدين التي تحد من هامش المناورة لدى صناع القرار

المشهد الاستراتيجي الأوسع يشير إلى أن ما جرى في إسلام آباد لم يكن مجرد فشل تفاوضي عابر بل هو انعكاس لتحول أعمق في طبيعة النظام الدولي حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض رؤيتها بشكل أحادي كما في السابق مقابل صعود قوى إقليمية أكثر ثقة بقدرتها على الصمود وإعادة تشكيل موازين الردع وهذا التحول يضع الصراع المتصاعد في إطار إعادة توزيع القوة لا مجرد خلاف على ملفات تقنية ما يؤكد أن أي تسوية قادمة لن تكون نتاج تنازلات أحادية بل نتيجة توازنات قسرية تفرضها الوقائع على الأرض وفي هذا السياق قد تتحول الأزمات الحالية إلى مقدمة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي والدولي بما يعكس واقعا جديدا تتراجع فيه الهيمنة المطلقة لصالح نظام أكثر تعقيدا وتعددا في مراكز القرار

مجريات مفاوضات إسلام آباد اشارت وفق ما ورد في تقارير متعددة إلى أن الموقف الأمريكي اتسم بدرجة عالية من التشدد السياسي وغياب واضح للمرونة التفاوضية حيث دخل الوفد الأمريكي بجملة مطالب وُصفت بأنها أقرب إلى الإملاءات منها إلى التفاهمات مع طرح ما سمي العرض النهائي والأفضل منذ وقت مبكر من المحادثات وهو ما عكس عمليًا محاولة إغلاق هامش التفاوض بدل توسيعه

الملاحظ جيدا الإصرار الامريكي على مطالب جوهرية تمس البرنامج النووي الإيراني بما في ذلك مقترحات نقل مواد مخصبة إلى خارج البلاد وتشديد القيود على حركة طهران في مضيق هرمز إضافة إلى رفض إدراج ملفات مقابلة ضمن صفقة متوازنة دفع الجانب الإيراني إلى اعتبار أن واشنطن لا تتعامل بمنطق التسوية بل بمنطق فرض الشروط هذا النهج التفاوضي الصارم الذي تزامن مع استمرار لغة التهديد والتلويح بخيارات الضغط عزز الانطباع بأن الهدف لم يكن الوصول إلى اتفاق بقدر ما كان اختبار حدود الصمود السياسي للطرف الآخر وهو ما أسهم في نهاية المطاف في انهيار الجولة دون أي اختراق حقيقي أو مسار تفاوضي واضح للمستقبل

الخاتمة : فشل مفاوضات إسلام آباد يكشف بوضوح أن الصراع لم يصل بعد إلى نقطة النضج السياسي وأن الهوة بين الطرفين ما زالت أوسع من أن تجسرها جولة واحدة أو مبادرة محدودة ما يعني أن المنطقة قد تبقى لفترة رهينة دائرة التوتر المفتوح بين احتمالات التصعيد وفرص التهدئة في انتظار لحظة توازن جديدة تفرض على الجميع إعادة حساباتهم والانخراط في تسوية أكثر واقعية واستدامة

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]





عدد المشاهدات : (682)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :