رم - في وقتٍ لا تزال فيه الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في مراحلها الأولى، تكشف قراءة تحليلية صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عن تداعيات عميقة ومتسارعة لهذه الحرب على القارة الإفريقية، التي تجد نفسها مجدداً في قلب صدامات دولية متلاحقة، رغم بعدها الجغرافي عن مسرح العمليات المباشر.
التقدير، الذي أعدّه الباحث محمود عبده سالم، يسلّط الضوء على كيفية تحوّل إفريقيا إلى "متلقٍّ مباشر" لارتدادات الحرب، خصوصاً عبر بوابة الاقتصاد العالمي، حيث قفزت أسعار الطاقة، واهتزّت سلاسل الإمداد، وتزايدت الضغوط على العملات والميزانيات.
وأشار التقدير إلى أن أبرز انعكاسات الحرب ظهرت في سوق الطاقة؛ إذ ارتفع سعر خام برنت من نحو 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب إلى قرابة 120 دولاراً خلال مارس/آذار 2026، في قفزة تُعد من الأعلى منذ عقود. هذا الارتفاع خلق مفارقة إفريقية لافتة: فبينما استفادت الدول المصدّرة مثل نيجيريا وأنجولا والجزائر من زيادة الإيرادات، وجدت غالبية الدول المستوردة نفسها أمام أزمة خانقة، انعكست فوراً في ارتفاع تكاليف النقل والغذاء، وتضخّم متسارع يهدد الاستقرار الاجتماعي.
كما أشار التقدير إلى تفاقم الأزمة مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر دفع شركات الشحن إلى اتخاذ مسارات أطول حول جنوب إفريقيا، الأمر الذي زاد كلفة التجارة العالمية، وأثقل كاهل اقتصادات إفريقية لم تتعافَ بعد من آثار جائحة كورونا والحرب الروسية–الأوكرانية.
أما عن المواقف الإفريقية من الحرب فأفاد التقدير بأنها لم تكن موحّدة، بل تشكّلت وفق شبكة معقّدة من المصالح والعلاقات الدولية. فالدول المرتبطة بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة أو المستفيدة من استثماراتها ومساعداتها، مالت إلى الحذر أو التأييد الضمني. في المقابل، أبدت دول أخرى مواقف أقرب إلى القانون الدولي، رافضةً أي عمل عسكري خارج مظلة الأمم المتحدة.
كما لعبت العلاقات مع "إسرائيل" ودول الخليج وإيران دوراً حاسماً؛ إذ عزّزت تل أبيب حضورها في إفريقيا عبر مشاريع تنموية وتقنية، بينما ضخت دول الخليج استثمارات ضخمة تجاوزت 100 مليار دولار خلال عامين فقط. أما إيران، فحافظت على حضور سياسي وعسكري محدود لكنه مؤثر في بعض الدول.
وجاء في التقدير أن الحكومات الإفريقية بدأت على الأرض اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية. فقد رفعت عدة دول أسعار الوقود والكهرباء، بينما لجأت أخرى إلى ترشيد الاستهلاك. في مصر، على سبيل المثال، تم رفع أسعار الوقود رغم تعهدات سابقة، مع إطلاق خطط لترشيد الكهرباء. وفي زيمبابوي، ارتفعت أسعار البنزين والديزل بنسب كبيرة، بينما تدرس جنوب إفريقيا زيادات حادة في أسعار الطاقة. كما شهدت الأسواق المالية نزوحاً لرؤوس الأموال نحو "الملاذات الآمنة" مثل الذهب والدولار، ما أدى إلى تراجع العملات الإفريقية وزيادة كلفة الاستيراد وخدمة الديون. وأن الخسائر لم تقتصر على الاقتصاد الكلي، إذ طالت قطاعات حيوية مثل الطيران والسياحة. فقد ألغت الخطوط الإثيوبية نحو 35% من رحلاتها، بخسائر يومية كبيرة، فيما تراجعت الحجوزات السياحية في كينيا بنسبة 40%، وتضررت السياحة الدينية لملايين الأفارقة.
أما عن مستقبل الحرب، فيرسم التقدير مسارين رئيسيين يتراوحان بين استمرار الحرب وتوقفها. يحمل السيناريو الأول تداعيات خطيرة، أبرزها تفاقم التضخم، وتدهور العملات، وتراجع الاستثمارات. كما قد يمتد التوتر الأمني إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما يهدد التجارة العالمية ويزيد هشاشة الأمن الإقليمي، خصوصاً في شرق إفريقيا ومنطقة الساحل. كما يحذّر التقدير من احتمال تصاعد التوترات الداخلية في دولٍ إفريقية تضم جماعات ذات ارتباطات مذهبية أو سياسية بالأطراف المتحاربة، ما قد يفتح الباب أمام اضطرابات أمنية جديدة.
أما عن سيناريو توقف الحرب، فيُرجّح التقدير مسار بقاء النظام الإيراني، مع تراجع نسبي في أسعار النفط وتخفيف الضغوط الاقتصادية غير أن هذا السيناريو قد يمنح طهران زخماً سياسياً أكبر، ويدفعها لتعزيز حضورها في إفريقيا، مستفيدة من دعم حلفائها الدوليين.
ويعدُّ سيناريو سقوط النظام الإيراني الأقل احتمالاً، لكنه قد يعيد تشكيل التوازنات في إفريقيا لصالح القوى المتحالفة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".
وفي ضوء المعطيات الحالية، خاصة إعلان هدنة مؤقتة من قبل واشنطن، يرجّح التقدير توقف الحرب مع بقاء النظام الإيراني، مدفوعاً بعوامل عدة، منها غياب استراتيجية أمريكية واضحة، وصعوبة تحقيق أهداف الحرب، وتصاعد المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية العالمية. ومع ذلك، يبقى احتمال استمرار الحرب قائماً، خصوصاً في ظل تعقيدات الصراع وتداخل العوامل الأيديولوجية والاستراتيجية.
وفي المحصلة، يفيد التقدير أن هذه الحرب كشفت مرة جديدة هشاشة البنية الاقتصادية الإفريقية واعتمادها الكبير على الخارج، سواء في الطاقة أو التمويل أو التجارة. ومع تراكم الأزمات خلال السنوات الأخيرة – من الجائحة إلى حرب أوكرانيا وصولاً إلى الحرب على إيران – تتعمّق معاناة القارة، ويزداد الضغط على حكوماتها وشعوبها.
ويخلص التقدير إلى أن الخروج من هذه الدائرة يتطلب تحوّلاً استراتيجياً في النموذج التنموي الإفريقي، يقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، وبناء تكامل إقليمي أكثر صلابة، بما يمكّن القارة من امتصاص الصدمات الدولية بدل الارتهان لها.