المدن الصاروخية الإيرانية: قلاع محصنة بددت وهم الضربة الحاسمة


رم - د. مهدي مبارك عبد الله

الرؤية المستجدة في الحروب الحديثة انها لم تعد تحسم بضربة أولى خاطفة كما افترضت ذلك العقائد العسكرية الكلاسيكية بل أصبحت معادلات القوة أكثر تعقيدا وتشابكا حيث يتقدم عامل الصمود والقدرة على امتصاص الضربة في صدارة محددات الردع وفي هذا السياق تبرز المدن الصاروخية الإيرانية بوصفها تجسيدا عمليا لتحول استراتيجي عميق نقل مفهوم الدفاع من الانتشار المكشوف إلى التحصين المدفون ومن قابلية الاستهداف إلى صعوبة التعطيل هذه المنشآت الممتدة في عمق الأرض لا تمثل مجرد مخازن تسليحية أو منصات إطلاق تقليدية بل تشكل بنية متكاملة لإدارة النيران والرد قادرة على البقاء والعمل في أقسى ظروف الاستهداف

من هنا فإن دلالتها تتجاوز بعدها العسكري المباشر لتطال جوهر التفكير الاستراتيجي ذاته حيث تعيد صياغة العلاقة بين الهجوم والدفاع وتضع حدودا صارمة لفاعلية الضربة الحاسمة التي طالما شكلت ركيزة في التخطيط العسكري الحديث وعليه فإن فهم هذه المدن لا يقتصر على توصيف بنيتها أو قدراتها بل يستدعي قراءة أوسع في تأثيرها على توازنات الردع الإقليمي وعلى مستقبل الصراعات التي لم يعد فيها التفوق التكنولوجي وحده كافيا لضمان الحسم بقدر ما أصبح البقاء والاستمرارية عاملين حاسمين في تقرير النتائج

بعد دخول المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران اربعين يوما يتكشف مشهد عسكري يتجاوز الحسابات التقليدية للحروب الجوية حيث لم تفلح كثافة النيران ولا آلاف الغارات في إحداث الانهيار المتوقع في بنية القوة الصاروخية الإيرانية بل على العكس تبدو طهران وكأنها أعادت تعريف مفهوم الصمود الاستراتيجي من خلال نقل مركز ثقلها العسكري إلى عمق الجغرافيا الصلبة حيث تحولت الجبال إلى دروع طبيعية تعجز التكنولوجيا الحديثة عن اختراقها بسهولة لتصبح الحرب نفسها اختبارا لإرادة الاستنزاف أكثر منها معركة حسم سريع

هذا التحول لم يكن وليد اللحظة بل هو نتاج عقود من العمل المنهجي الذي قامت خلاله إيران ببناء شبكة معقدة من المدن الصاروخية المدفونة في الأعماق وهي ليست مجرد مخازن للأسلحة كما قد يتصور البعض بل منظومات قتالية متكاملة تعمل كعوالم مستقلة تحت الأرض تمتد عبر أنفاق متشعبة على أعماق قد تصل إلى خمسمئة متر مجهزة ببنى تحتية تسمح باستمرار العمليات العسكرية والإنتاج الحربي والصيانة وحتى الحياة اليومية لآلاف العناصر ما يمنحها قدرة فريدة على البقاء والعمل في عزلة شبه تامة عن تأثيرات الضربات الجوية

طبيعة هذه المنشآت تعكس مستوى غير مسبوق من التعقيد الهندسي حيث تتداخل الممرات متعددة المستويات مع خطوط نقل داخلية ومنصات إطلاق مخفية ومخارج موزعة بعناية على امتداد الكتل الجبلية بما يسمح للصواريخ بالخروج إلى السطح وتنفيذ مهامها والعودة بسرعة إلى مواقعها المحصنة في مشهد أقرب إلى حرب الأشباح التي يصعب رصدها أو توقع اتجاهاتها وهو ما يفسر استمرار القدرة الإيرانية على الرد رغم الاستهداف المكثف للمداخل والبنى السطحية

رغم كل ما تعلنه واشنطن وتل أبيب عن نجاحات متواصلة في تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية الظاهرة فإن الوقائع الميدانية تكشف فجوة عميقة بين التقدير الاستخباراتي والواقع العملياتي إذ لا تزال الصواريخ تنطلق بوتيرة متفاوتة من باطن الأرض فيما تستمر عمليات الإصلاح وإعادة التأهيل بسرعة لافتة ما يدل على أن المعركة لم تعد تدور حول تدمير الأهداف بقدر ما أصبحت صراعا مع قدرة الخصم على التعافي وإعادة الانتشار

أحد أبرز عناصر القوة في هذه الاستراتيجية يكمن في اعتماد مبدأ التوزيع والتشتيت حيث لا تتركز الترسانة في موقع واحد يمكن استهدافه بل تنتشر ضمن شبكة واسعة من القواعد والأنفاق ما يجعل أي ضربة مهما كانت دقيقة غير كافية لإحداث شلل شامل وما يزيد من تعقيد المهمة أمام أي قوة جوية تحاول تحقيق تفوق حاسم خاصة في ظل محدودية الذخائر القادرة على اختراق التحصينات العميقة مقارنة باتساع رقعة الأهداف المحتملة

إلى جانب ذلك لعبت إيران على عنصر الخداع بشكل مكثف عبر نشر منصات وهمية ومواقع تضليلية ما أدى إلى استنزاف جزء من الجهد العسكري المعادي في استهداف أهداف غير حقيقية وزاد من حالة الضبابية التي تحيط بحجم الخسائر الفعلية وهو ما يعمق أزمة الثقة في التقييمات الاستخباراتية ويجعل من الصعب اتخاذ قرارات حاسمة مبنية على معلومات دقيقة

هذه الصورة لا تخلو من نقاط ضعف حيث أظهرت الحرب أن استهداف المداخل والبنى اللوجستية يمكن أن يعطل استخدام هذه القواعد مؤقتا حتى وإن لم يدمرها بالكامل كما أن الاعتماد على الأنفاق الطويلة والمتصلة قد يحمل مخاطر داخلية في حال حدوث اختراق ناجح يؤدي إلى أضرار متسلسلة إلا أن هذه التحديات لم تصل حتى الآن إلى مستوى إحداث تحول جذري في ميزان القوة أو شل القدرة الصاروخية الإيرانية بشكل كامل
اما في البعد الاستراتيجي الأوسع تبدو المدن الصاروخية الإيرانية وكأنها أعادت صياغة مفهوم الردع في المنطقة حيث لم يعد التفوق الجوي كافيا لفرض الإرادة السياسية بل أصبح الخصم مطالبا بالتعامل مع منظومة دفاعية عميقة قادرة على امتصاص الضربة الأولى والرد بعدها وهو ما يخلق حالة من الجمود الاستراتيجي تجعل كلفة الحرب مفتوحة زمنيا وماديا وتحد من إمكانية تحقيق نصر سريع أو حاسم

هذا الواقع وضع صناع القرار في واشنطن وتل أبيب أمام معضلة حقيقية بان استمرار العمليات الجوية لن يؤدي بالضرورة إلى القضاء على التهديد في حين أن أي تصعيد نحو خيارات برية أو أكثر اتساعا يحمل مخاطر انفجار إقليمي واسع وهو ما يعزز فرضية أن الحل العسكري بصيغته التقليدية قد بلغ حدوده القصوى في مواجهة نموذج قتالي يعتمد على العمق والتحصين والتشتت

في ضوء ذلك يمكن القول إن إيران نجحت في تحويل جغرافيتها إلى عنصر فاعل في معادلة القوة وجعلت من باطن الأرض ساحة حرب موازية يصعب اختراقها أو التحكم بها لتفرض بذلك معادلة جديدة عنوانها أن تدمير القدرة لا يعني إنهاء التهديد وأن الصواريخ التي تختبئ في الأعماق ليست مجرد أدوات قتال بل أوراق ضغط استراتيجية ستبقى حاضرة في أي تسوية مستقبلية ما لم تتغير قواعد الاشتباك نفسها التي تحكم هذا الصراع المعقد والمتعدد الأبعاد

اللافت في هذا التقييم أن أكثر من نصف منصّات إطلاق الصواريخ الإيرانية ما تزال سليمة وهذا الرقم في حد ذاته كافٍ لتقويض أي رواية تتحدث عن شلل كامل في القدرات الهجومية الإيرانية حتى لو تعرضت البنية العسكرية لضربات مؤلمة فإن الاحتفاظ بنسبة كبيرة من منصات الإطلاق يعني أن القدرة على الرد لم تُكسر بل ربما أُجّلت أو أُعيد تنظيمها وهذا يعكس استراتيجية إيرانية قديمة تقوم على توزيع القدرات وتحصينها بحيث لا يمكن القضاء عليها بضربة واحدة أو حتى بحملات جوية ممتدة بمعنى آخر إيران لا تراهن على منع الضربات بل على امتصاصها والبقاء بعدها وإيران وفق هذه المعطيات لا تزال تمتلك ما يكفي من القوة لإبقاء الصراع مفتوحًا وربما لتوسيعه إذا قررت ذلك أما حديث ترامب المتكرر عن سهولة الحسم أو السيطرة فيبدو أقرب إلى الخطاب السياسي الشعبوي منه إلى الواقع الميداني المؤلم

الخاتمة : في ضوء ما سبق يتضح أن المدن الصاروخية الإيرانية لم تعد مجرد خيار دفاعي تقليدي بل تحولت إلى عنصر مركزي في إعادة تشكيل مفاهيم القوة والردع حيث فرضت واقعا جديدا يعيد الاعتبار لعامل التحصين والقدرة على الصمود في مواجهة التفوق الناري والتكنولوجي وبهذا المعنى فإن هذه المدن لا تسهم فقط في تعزيز القدرة الدفاعية بل تمثل أيضا أداة فاعلة في تقويض فرضيات الحسم السريع وإعادة رسم حدود الاشتباك المحتمل

كما أنها تفتح الباب أمام تحولات أوسع في طبيعة الصراعات المقبلة التي قد تتجه نحو حروب استنزاف طويلة ومعقدة يصبح فيها عامل الزمن والقدرة على الاستمرار أكثر حسما من الضربة الأولى وعليه فإن أي قراءة مستقبلية لتوازنات المنطقة لا يمكن أن تتجاهل هذا التحول البنيوي الذي يعيد صياغة قواعد الاشتباك ويفرض على مختلف الأطراف مراجعة استراتيجياتها في ضوء واقع لم تعد فيه الضربة الحاسمة كافية لتحقيق النصر

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]




عدد المشاهدات : (846)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :