رم - بقلم د يوسف عبيدالله خريسات
يعود الأردن إلى خبراته ليؤكد أن العمل الوطني لا تقاعد منه وأن الدولة الاردنية تعرف قيمة رجالها فلا تسمح للزمن أن يطوي عقولهم ولا تسمح للتقاعد الوظيفي أن يضع نهاية لدورهم في صناعة الوعي الوطني وجاء لقاء جلالة الملك مع رؤساء الوزراء والمسؤولين السابقين تعبيرا عن سياسة اردنية تقوم على أن التجربة ممتدة بامتداد الحياة وأن الكل في ميدان الوطن
والقيادة الاردنية تؤمن بأن التجربة السياسية تنمو ببطء مثل شجرة الزيتون جذورها ضاربة في عمق الماضي وأغصانها تمتد نحو المستقبل وأن الحكماء والخبراء جزء من بنية الاردن وذاكرته العميقة التي لا تنفصل عن حاضره ولا تنقطع عن مستقبله
وفي الوقت الذي ينشغل فيه الناس بنقاش قانون الضمان الاجتماعي ويحسبون سنوات الخدمة ويقيسون أعمارهم الوظيفية بالأرقام تبرز الفكرة الكبرى التي تتجاوز كل هذه الحسابات هل يمكن للإنسان أن يتقاعد من الوطن وهل يمكن أن تنتهي علاقة الإنسان بأرضه ووطنه
إن الضمان الاجتماعي ينظم علاقة الإنسان بعمله ويحدد بداية التقاعد ونهايته لكنه لا يستطيع أن يحدد نهاية الانتماء ولا بداية الغياب الوطني لأن الوطن ليس وظيفة تسلم مفاتيحها عند نهاية الدوام بل هو حالة وجودية تسكن الإنسان وتبقى معه حتى آخر أيام حياته
ولهذا فإن لقاء القيادة الاردنية مع رؤساء الوزراء والمسؤولين السابقين يحمل رسالة واضحة مفادها أن التقاعد الإداري لا يعني التقاعد الوطني وأن الخبرة عندما تترك الموقع السياسي تدخل في دائرة الحكمة وأن الوطن يبقى محتاجا إلى كل عقل خدمه وكل يد عملت من أجله
والأردن في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه لا يستغني عن الخبراء فالزمن الإقليمي يمضي سريعا والحركة الدولية لا تنتظر أحدا وتبدو الفكرة واضحة كالشمس يمكن إحالة أي موظف إلى التقاعد ولكن لا يمكن إحالة الوطن إلى الانتظار ولا يمكن أن يتقاعد العمل الوطني لأن الانتماء لا يخضع لقانون العمر ولا لجدول الرواتب
فالإنسان قد يتقاعد من الوظيفة لكنه لا يتقاعد من الفكر الوطني لأن الوطنية عهد أخلاقي مع التراب يبقى قائما ما بقيت الحياة
وتبدو الحكمة الأردنية الهاشمية في أجمل صورها عندما تصبح القيادة مركزا يجمع بين الحاضر والماضي ليصنع المستقبل ليصبح الوطن مساحة مشتركة يعمل فيها الجميع مهما اختلفت مواقعهم أو تبدلت مواقعهم
إن العمل الوطني في الأردن رسالة تكتب سنواتها في سجل التاريخ الوطني فالوطن يفتح أبوابه دائما لكل عقل يفكر ولكل قلب يحب ولكل يد تعمل والدولة الاردنية تحترم رجالها وتعرف أن الحكماء لا يحالون إلى التقاعد وأن الوطنية تبقى الوظيفة الأبدية التي لا تنتهي
وكما قال أحمد شوقي
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي