توقَّفَتِ الحَربُ … وَهذَا هُوَ الأُردُنُ


رم - بقلمِ الدُّكتور يوسف عبيدالله خريسات

توقَّفَتِ الحَربُ في الظَّاهرِ وسَكَتَت أصواتُ الطَّائراتِ في السَّماءِ، وعادَ اللَّيلُ الأُردنيُّ إلى شَيءٍ من سُكونِهِ الذي ألفَهُ النّاسُ، ولكِنَّ هذا التَّوقُّفَ ليسَ نهايةً كاملةً كما يَظُنُّ البعضُ، وإنَّما هو بدايةُ شُعورٍ جديدٍ يَتسلَّلُ إلى النَّفسِ بهدوءٍ، شُعورٌ يجعلُ الإنسَانَ أَكثَرَ قدرةً على فَهمِ حقيقةِ الأُردنِ، وأكثرَ ميلاً إلى تَأمُّلِ قِيمةِ الأمنِ، لأنَّ الحَربَ تَترُكُ في القلوبِ يقظةً طويلةً وسؤالًا حاضرًا في الوَجدَانِ: كَيفَ بَقِيَ الأُردنُ آمنًا وسطَ هذه الظروفِ كلِّها؟

أعظمُ ما يَستوقفُ النَّفسَ وسطَ هذه الظروفِ أنَّ الطِّفلَ الأُردنيَّ ظَلَّ يَنامُ مُطمئنًّا، لم يُوقِظْهُ ضوءٌ مُفاجِئ، ولم يَرهَبْهُ انقطاعُ الكهرباءِ، ولم يَسألْ أُمَّهُ لماذا تغيَّرتِ الحياةُ فجأةً، لأنَّ الدَّولةَ الأُردنيَّة كانت دائمًا يقِظةً وحاضِرَةً بكلِّ قِطاعاتِها، تُديرُ شُؤونَها دون أن يَشعُرَ النّاسُ بأيِّ خَطرٍ، وكأنَّها تَقولُ لهم بهدوءٍ: إنَّ الحياةَ يجب أن تَبقى طبيعيةً، وأنَّ الأمنَ واجبٌ تُؤدِّيهِ الدَّولةُ قبل أن يَطلُبَهُ منها المُواطِنُ.

وكانَ من لُطفِ اللهِ أنَّ الأُردنيَّ لم يَعرِف طوابيرَ الغازِ، ولم يَلهَثْ وراءَ الخُبزِ، ولم يَترقَّبِ البنزينَ كما يَترقَّبهُ النّاسُ في زمنِ ضيقِ لقمةِ العيشِ، فالأُردنُ يَفهَمُ حقيقةَ الاستقرارِ، فلا يَتركُ الأسواقَ فَريسةً للاحتكارِ، ولا الاقتصادَ نَهبًا للشَّائعاتِ، وإنَّما يُضبِطُ حركتَه ويَمنَحُ النّاسَ ثِقةً بأنَّ الغدَ لن يكونَ أسوأ، فالأُردنُ قادِرٌ على حِمايةِ الحياةِ وتفاصيلِها الصَّغيرةِ التي تَبدو عادِيَةً في زمنِ السَّلم، لكنها تُصبِح غايةَ الأمنياتِ في زمنِ الحربِ.

ولَم تَكُنِ الطُّرُقاتُ مكتَظَّةً بسيَّاراتِ الخوف و القلقِ، ولم تَمسِ محطَّاتُ الوقودِ ساحاتِ انتظارٍ طويلةٍ، لأنَّ الأُردنَ يستَعدُّ دائمًا لأيِّ مسارٍ، ولا يَتركُ النّاسَ رهينةً للقلقِ، بل يَمنَحُهم يقينًا بأنَّ الأمورَ تَسيرُ في طريقِها الصَّحيح.

أمَّا أولئِك الذين سَهِروا في السَّماءِ وحَمَلوا أرواحَهم على أجنحةِ الطَّائراتِ، فقد كانوا يُؤدُّون واجبَهم على أكمَلِ وجهٍ، فالجنودُ الأُردنيُّون إنما يَبحثون عن الطمأنينةِ التي يَترُكونَها في قلوبِ النّاسِ، وهم يَدركون أنَّ حِمايةَ السَّماءِ هي حِمايةٌ لحُلمِ كلِّ طفلٍ، وراحةٍ لكلِّ أمٍّ، وهدوءٍ لكلِّ بيتٍ.

هذَا هُوَ الأُردنُ، يَعرفُ أنَّ الأمنَ عملٌ يوميٌّ طويلٌ يَبدأ من مُؤسَّساتِ الدَّولةِ وينتَهي عند ابتسامةِ طفلٍ يَنامُ مُطمئنًّا، توقَّفَتِ الحَربُ في ظاهرِها، ولكنَّ الدَّرسَ بَقِي واضحًا: إنَّ الاستقرارَ والأمنَ رأسُ مالِ الأُردنِ الحقيقيّ.



عدد المشاهدات : (4265)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :