ما لا تقوله القامات المنتصبة


رم - بينما كنت أمشي في إحدى الرُّدهات، متأملة لمن حولي، استوقفتني نظراتُ العابرين؛ عيونٌ مُثقَلةٌ بما لا يُقال، وقاماتٌ تُخفي في انتصابها جهدًا خفيًّا يكاد يُسمَع لو أُتيح له أن ينطق. كان في المشهد شيءٌ يتجاوز المرور العاديّ، كأنّ المكان مرآةٌ واسعة، تُعيد تشكيل الوجوه على هيئةٍ واحدة، مهما اختلفت ملامحها.

ثمّ، دون موعدٍ سابق، وجدت نفسي أمام شخصٍ يشبهني شكلًا… ويشبههم حالًا. لم يكن غريبًا ولا مألوفًا... في الحقيقة هو حالة بين بين؛
هيئةٌ تجمعني وتُفارقني في آنٍ واحد. تأمّلته طويلًا، فإذا بي أُدرك أنّني أقف أمامي، لا كما أظنّ نفسي، هو شخصي كما أعيش بين الناس: نسخةٌ تُجاهد لتبدو ثابتة، بينما في داخلها حركةٌ لا تهدأ.

في تلك اللحظة، انزاح ستارٌ خفيّ: ما يُرى من الإنسان جزءٌ يسير، وما يُكابده أوسع من أن تُحيط به العيون. كلُّ أولئك الذين مرّوا، بثباتٍ ظاهريّ، يحملون في قاماتهم حكاياتِ توازنٍ مُضنٍ؛ وكأنّ السير يحتاج إلى عزمٍ لا يقلّ عن عزم معارك لا تنصرم.

وهنا يتبدّى المعنى في وجهٍ أكثر صراحة : الإنسان في هذا الزمن لا يفتقر إلى القوّة بقدر ما يُثقل بكثرة الاتجاهات. تتنازعه دعواتٌ متباينة؛ كلّ واحدةٍ تزعم لنفسها الأولويّة، فيمضي موزّعًا بين ما يليق به وما يُطلب منه. ومن هذا التمزّق تنشأ غربةٌ دقيقة؛ غربةٌ لا تُرى، غير أنّها تُغيّر هيئة الروح كما يُغيّر التعبُ ملامح الجسد.

وقفت برهة لأرى أن في عمق هذا الاضطراب نداء أكثر ثباتًا؛ نداءٌ يدعو إلى عودةٍ واعية، عودةٌ تُعيد ترتيب الداخل، إلى أن نصل للنقطة التي يتلاقى فيها صدقُ التوجّه مع رقّة الشعور، حيث تنشأ قدرةٌ على الاستمرار دون أن يتآكل الجوهر.

وفي هذا الموضع تحديدًا، يتجلّى الحزم في أبهى صوره: أن يضع المرء حدًّا لما يستنزفه، وأن يُقيم وزنًا لما يُحييه. حزمٌ لا قسوة فيه، لأنّه يصدر عن معرفةٍ بحدود الطاقة، وعن رحمةٍ تُدرك أنّ الروح إن أُرهقت فقدت صفاءها. وفي المقابل، تتجلّى الرحمة على نحوٍ أكثر نضجًا: رحمةٌ لا تُرخّص الانفلات؛
رحمة ترفق بالإنسان وهو ينهض، وتشدّ على يده حين يوشك أن يضلّ الطريق.

ومن دقائق الفهم أن يُدرِك المرء أنّ التشابه الذي رآه في تلك الرُّدهة ما كان ليكون صدفة؛ إنّه قانونٌ خفيّ يجمع البشر في دائرة التجربة، مهما تباعدت تفاصيلهم. كلّهم يسيرون وفي داخلهم شيءٌ يطلب السكينة، وكلّهم يُجاهد ليُبقي على تماسكه في وجه تآكلٍ بطيء. ومن وعى هذا، رقّ قلبه دون أن يضعف، واشتدّ عوده دون أن يقسو.

هكذا يتشكّل المسار: وعيٌ يُنير، وحزمٌ يُهذّب، ورحمةٌ تُرمّم. ومن جمع هذه الثلاثة، استطاع أن يعبر الرُّدهات الكثيرة في حياته دون أن يتيه في زحامها؛ يحمل نفسه بيدٍ ثابتة، ويُلاطفها بأخرى، كأنّه يسير بها إلى برٍّ يعرفه حدسًا، وإن غاب عن عينيه.

وعندها، حين يعود النظر إلى تلك اللحظة الأولى، يتبيّن أنّ اللقاء كان إشارةً مُكثّفة، تقول بصوتٍ خفيضٍ عميق: من عرف نفسه في زحام الوجوه، أدرك طريقه وإن اشتدّ الالتباس.

بقلم: ياسمين زاهدة



عدد المشاهدات : (4422)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :