رم - فارس كرامة
في اقتصادٍ إقليمي تتقاطع فيه الحسابات المالية مع حساسية المخاطر، لا يكفي أن تمتلك الخبرة، بل يجب أن تمتلك القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي يتردد فيها الآخرون.
هنا تحديداً، يتقدّم اسم هاني عبدالقادر القاضي بوصفه أحد النماذج التي تشكّل حضورها داخل القطاع المصرفي من خلال “منطق القرار” أكثر من “بريق المنصب”، ومن خلال تراكم الخبرة أكثر من ضجيج الواجهة.
القاضي، الذي يجمع بين خلفية هندسية من جامعة إمبريال في لندن، وتخصص متقدم في إدارة الأعمال والتمويل من جامعة هارفارد، يمثل نموذجاً مصرفياً تشكّل في بيئة أكاديمية ومهنية عالية الكثافة، انعكست لاحقاً على أسلوبه في إدارة المؤسسات المالية.
بداياته المهنية في الولايات المتحدة داخل مؤسسات مثل JP Morgan وBankers Trust لم تكن محطة وظيفية تقليدية، بل مرحلة تأسيس لفهم عميق لآليات التمويل الدولي، وإدارة المخاطر، وبناء المحافظ الاستثمارية في بيئات شديدة التعقيد، تلك المرحلة شكّلت الأساس الذي انتقل به لاحقاً إلى العمل المؤسسي في المنطقة العربية.
في الأردن، تولّى القاضي مواقع قيادية في القطاع المصرفي، أبرزها منصب المدير العام والرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار العربي الأردني، ثم رئاسة مجلس إدارته، حيث عمل على إعادة ضبط الإيقاع المؤسسي للبنك ضمن إطار يقوم على الانضباط المالي وتعزيز الاستقرار وتوسيع قاعدة الأعمال المصرفية والاستثمارية.
كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة جمعية البنوك في الأردن، وهو موقع يعكس مستوى النفوذ المهني داخل القطاع، ومساحة التأثير في النقاشات المتعلقة بالسياسات المصرفية والبيئة التنظيمية والحوكمة المالية، في مرحلة اتسمت بتعقيد اقتصادي إقليمي متزايد.
لكن التجربة الأوسع للقاضي لا تتوقف عند الإدارة المصرفية التقليدية، بل تمتد إلى الاستثمار المؤسسي، حيث تولّى رئاسة وإدارة عدد من الكيانات، من بينها شركات في الاستثمار السياحي وصناديق رأس المال، إضافة إلى موقعه في بنك الاستثمار العربي الأردني – قطر، ما يعكس حضوراً إقليمياً في بنية الاستثمار العربي.
في هذا السياق، يبرز مشروع فندق “فور سيزونز عمّان” كأحد النماذج التي ارتبط اسمه بها، ليس بوصفه مشروعاً سياحياً فحسب، بل باعتباره نموذجاً في التمويل الذاتي القائم على تقليل المخاطر عبر غياب التمويل البنكي المباشر، وهو خيار إداري يعكس فلسفة واضحة في إدارة رأس المال.
ورغم امتداد الإرث العائلي الاقتصادي الذي يرتبط باسم والده عبدالقادر القاضي، أحد الشخصيات التي ساهمت في تأسيس بنك قطر الوطني، إلا أن مسار هاني القاضي لم يكن امتدادًا تقليدياً، بل إعادة إنتاج مستقلة للتجربة، داخل سياق اقتصادي مختلف، وبأدوات إدارة حديثة.
داخل القطاع المصرفي، يُنظر إلى القاضي كأحد الوجوه التي تمثل نمط “المدير المؤسسي” أكثر من “الرجل التنفيذي التقليدي”، حيث يطغى على حضوره مفهوم إدارة المخاطر، وضبط القرار، وبناء الاستدامة المؤسسية، مقابل القرارات السريعة أو التوسعات غير المحسوبة.
وفي بيئة مالية تتغير بسرعة، يبقى هذا النموذج تحديداً هو الأكثر حساسية والأكثر تأثيراً، نموذج لا يقوم على الظهور، بل على النتائج، ولا يعتمد على الخطاب، بل على الأثر الفعلي داخل المؤسسات.
هاني القاضي، في محصلة تجربته، ليس مجرد اسم في سجل القيادات المصرفية، بل حالة إدارية تعكس انتقال القطاع المالي في الأردن والمنطقة من مرحلة الإدارة التقليدية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على الاحتراف، والانضباط، وإدارة المخاطر كعنصر جوهري في صناعة القرار الاقتصادي.