رم - بقلم الدكتور -فواز أبوتايه.
في خضم التصعيد المتسارع بين إيران وإسرائيل لم يعد السؤال يدور حول طبيعة المواجهة بقدر ما يتمحور حول مآلاتها إلى أين تتجه المنطقة ومن يملك حق رسم نهايات هذا الصراع المفتوح
ما يجري اليوم يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية أو حتى حرب ظل طويلة الأمد إنه صراع مشاريع تتقاطع فيه الجغرافيا مع الإستراتيجية وتتصادم فيه الإرادات الدولية على أرض عربية باتت مسرحا لإعادة توزيع النفوذ لا أكثر ولا أقل .
لقد سقطت إلى حد كبير المراهنات على تفجير صراع سني شيعي كأداة لإعادة تشكيل المنطقة فالمزاج الشعبي العربي رغم كل محاولات الإستقطاب لم يعد يستجيب لهذه الثنائية المستهلكة ما نشهده اليوم هو إنتقال واضح من حروب الهوية إلى حروب القوة حيث البقاء للأقدر وفي هذا السياق تظهر إيران كقوة إقليمية إستطاعت خلال عقود أن تبني منظومة نفوذ متعددة الأبعاد عسكرية إستخباراتية وسيبرانية مدعومة بشراكات إستراتيجية مع قوى مثل روسيا والصين هذا التراكم لم يكن عابرا بل نتاج رؤية عميقة لإعادة التموضع في قلب النظام الدولي المتحول .
العملاقان أمريكا والصين من سيقرر شكل الشرق الأوسط فرغم ضجيج الحرب تبقى الحقيقة أن مآلات الصراع لن يحسمها الميدان بل في غرف القرار لدى القوتين أمريكا والصين هاتان القوتان لا تديران حربا مباشرة بل ترسمان حدودها وتضبطان إيقاعها وتحددان سقوفها السياسية والعسكرية لكن أمريكا في عهد ترامب بدأت أكثر إندفاعا وتوازنا لقد كشفت عن نمط سياسي قائم على الإبتزاز وإعاد تعريف العلاقات الدولية بمنطق القوة هذا التحول بكلفة فقد تراجعت صورة واشنطن عالميا وتآكلت قدرتها على بناء تحالفات مستقرة في المقابل تتحرك الصين بهدوء إستراتيجي لافت معتمدة على أدوات الاقتصاد والبنية التحتية والإتفاقيات طويلة الأمد إنها لا تنافس بالصوت العالي بل بالتمدد الصامت واضعة نفسها كبديل محتمل في النظام الدولي القادم .
أوروبا تعيش مرحلة إرتباك اللحظة لقد شكل حلف الناتو لعقود عمود التوازن الغربي لكنها بدأت أقل تماسكا وتأثيرا في مواجهة التحولات الكبرى أوروبا تأخرت في قراءة المتغيرات تجد نفسها اليوم في موقع المتلقي أكثر من صانع القرار أنها تداعيات طوفان الأقصى فقد شكل نقطة تحول ليس فقط في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بل في إعادة تعريف مبررات وجود الكيان الإسرائيلي ضمن السردية الغربية فقد كشف المشهد عن هشاشة كثير من الإفتراضات الأمنية والسياسية وأدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من اللأيقين كما أظهرت أن الإنحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل أصبح مكلفا سواء في الداخل الأمريكي وعلى مستوى الشرعية الدولية.
لقد تحول العالم العربي من الفاعل إلى المتفرج ففي خضم هذه التحولات يبرز سؤال مؤلم أين يقف العالم العربي للأسف تبدو المنطقة كأنها ساحة صراع تدار من الخارج لا لاعبا مستقلا في تقرير المصير فلم يعد النفط كافيا لصناعة النفوذ وحتى القواعد العسكرية الأجنبية التي روج لها كضمانات حماية تكشف الواقع أنها تخدم أولويات تتجاوز الأمن العربي إلى حماية أمن إسرائيل أما فكرة الحلف السني كأداة توازن فلا تزال موضع إختبار يكتنفها الشك حول قدرتها على التحول إلى مشروع إستراتيجي قوي .
نحن أمام شرق أوسط جديد لن يكون على المقاس الإسرائيلي إنه شرق أوسط متعدد الأقطاب تتقاطع فيه المصالح الأمريكية الصينية ويتعاظم فيه دور القوى الإقليمية بين الحرب والسياسة إن السيناريو الأقرب ليس حسما سريعا بل صراع تتخلله جولات إلى أن تنضج تسوية كبرى ترسم ملامح المنطقة وتفرض في داخلها إنها لحظة إعادة تشكيل تاريخية والعرب بإنتظار النتائج .