الحرب البرية الأميركية على إيران بين الحسم والاستنزاف !


رم -
د . مهدي مبارك عبد الله

المراقب يلحظ ان مسار التوتر الثقيل في الإقليم بات لا يشبه أي مرحلة سابقة والسؤال لم يعد إن كانت الحرب البرية ممكنة بل متى وكيف وبأي شكل ستنفجر وإذا كان التصعيد الجوي والبحري قد بلغ سقوفه دون حسم فإن الانتقال إلى البر يبدو كأنه الورقة الأخيرة التي يجري التلويح بها أكثر مما يجري الاستعداد الجدي لحرقها بالكامل

المعطيات الميدانية تكشف مفارقة صارخة فهنالك خطاب سياسي متردد يقابله حراك عسكري متسارع وآلاف الجنود يتدفقون إلى المنطقة ووحدات مظلية ومشاة بحرية تتموضع وسفن هجومية تقترب وخطط عمليات توضع على الطاولة لكن دون اي قرار نهائي وهذا التناقض ليس صدفة بل يعكس مأزق القرار الأميركي بين الحاجة إلى إنجاز حاسم والخوف من الانزلاق إلى مستنقع لا يمكن الخروج منه

السيناريوهات المطروحة لا تشير إلى احتمالية حدوث غزو شامل على غرار ما جرى في العراق في حرب الخليج الثالثة عام 2003 بل إلى عمليات برية محدودة سريعة تستهدف نقاطا حساسة كجزيرة خرج أو مواقع ساحلية قرب مضيق هرمز أو حتى غارات عميقة على منشآت نووية مدفونة على اعماق بعيدة والهدف الرئيسي ليس احتلال إيران بل كسر توازنها وإجبارها على التفاوض من موقع ضعف لكن المشكلة أن هذه العمليات المحدودة وبالخيرة التاريخية تحمل في طياتها قابلية الانفجار إلى حرب واسعة لأن أي احتكاك بري داخل الأراضي الإيرانية لن يبقى محدودا بطبيعته كما تريده واشنطن

جزيرة خرج تبدو الهدف الأكثر إغراء للقوات البرمائية الامريكية فهي شريان النفط الإيراني والسيطرة عليها تعني خنق الاقتصاد نظريا لكن جغرافيا الجزيرة تكشف انها ربما تكون الفخ فهي قريبة جدا من الساحل الإيراني وتقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة ما يجعل أي قوة تتمركز هناك هدفا دائما لنيران كثيفة وان أي نجاح أولي سطحي سيتحول بسرعة إلى معركة استنزاف مفتوحة تحتاج إلى تعزيزات مستمرة وهنا يبدأ الانزلاق الحقيقي نحو الهاوية

أما مضيق هرمز فهو عقدة الحرب الكبرى ومحاولة اقتحامه أو تأمينه بريا أو بحريا تعني مواجهة عنيفة ومباشرة مع استراتيجية إيرانية بنيت منذ عقود على حرب غير متكافئة مدعومة بألغام بحرية وزوارق سريعة وصواريخ ساحلية ومسيرات انتحارية وكلها أدوات مصممة لتحويل الخليج إلى ساحة حرب مغلقة وخطرة وأي تحرك بري أو برمائي في هذه البيئة لن يكون عملية نظيفة بل مواجهة فوضوية مكلفة في الارواح اكثر منها في المعدات

سيناريو الدخول عبر الحدود البرية من جهة الشمال أو مناطق النفوذ الكردي يبدو نظريا أقل تعقيدا لكنه في الواقع أكثر صعوبة وخطورة لأن الجغرافيا الإيرانية القاسية والعمق السكاني الكبير سيحولان أي توغل إلى كابوس لوجستي في عمق جبال ممتدة وكثافة سكانية عالية وشبكات مقاومة محتملة تجعل أي تقدم بطيئا ومكلفا وهنا تتحول العملية من ضربة خاطفة وسريعة إلى حرب استنزاف طويلة الامد
الاخطر ضمن توقعات الحرب البرية المحتملة يبرز خيار السيطرة على اليورانيوم الإيراني كأحد أكثر الأهداف حساسية وتعقيدا إذ يجري بحث تنفيذ عملية محدودة تهدف إلى الاستيلاء على كميات من اليورانيوم عالي التخصيب المخزن في مواقع محصنة تحت الأرض مثل أصفهان ونطنز وهو ما قد يتطلب إدخال قوات برية أميركية وتأمين محيط هذه المنشآت تحت تهديد الصواريخ والطائرات المسيرة قبل أن تتولى فرق متخصصة التعامل مع المواد المشعة ونقلها بوسائل آمنة وهي عملية قد تستغرق عدة أيام وتستدعي بقاء القوات داخل الأراضي الإيرانية لفترة غير قصيرة ورغم أن هذا الخيار قد يحقق هدفا سريعا بمنع استخدام هذه المواد في برنامج عسكري نووي وربما تقصير أمد الحرب إلا أنه ينطوي على مخاطر كبيرة تشمل احتمال التصعيد المباشر وتوسيع نطاق المواجهة خاصة في ظل تعقيد البيئة العملياتية وقدرة إيران على الرد ما يجعل هذا السيناريو مزيجا من الحسم السريع والمخاطرة العالية في آن واحد

إيران من جهتها لا تخفي موقفها بل تدفع نحوه عمدا وهي بالفعل تريد الحرب البرية لأنها ساحة تفوقها النسبي وهي لا تسعى إلى هزيمة الجيش الأميركي بل إلى استنزافه وإغراقه في بيئة معادية ذات كثافة بشرية وحرب غير نظامية حيث جهزت ايران أكثر من مليون مقاتل محتمل في بنية عسكرية موزعة وغير مركزية مع تدريب واستعداد نفسي لمعركة طويلة وهذه ليست حربا تبحث عنها طهران فقط بل أعدت لها منذ سنوات سابقة

المعضلة الأميركية ليست عسكرية فقط بل سياسية أيضا الرأي العام الامريكي لا زال يرفض المغامرة البرية بشكل واضح والانقسام داخل النخبة الحاكمة بدأ يتسع وكل جندي يسقط سيضاعف الضغط الداخلي وهذا العامل كان حاسما في تجارب سابقة وقد يكون أكثر حساسية اليوم في ظل ذاكرة العراق وأفغانستان التي لم تندمل بعد

السؤال الحاسم هنا هل ستنجح الحرب البرية في تحقيق ما فشل فيه القصف الجوي والبحري الإجابة الأقرب لا لأن المشكلة ليست في القدرة على التدمير بل في القدرة على فرض نتيجة سياسية مستقرة والضربات الجوية قد تعاقب وتدمر لكنها لا تسيطر أما البر فيعني السيطرة لكنه يفتح أبواب الفوضى والتمرد وهذا ما يجعل المقارنة مع فيتنام أو العراق حاضرة بقوة حتى في اذهان الجنود الامريكيين انفسهم

اعادة مشهد فيتنام جديدة ليست حتمية لكنها احتمال واقعي إذا تحولت العمليات المحدودة إلى احتلال جزئي أو انتشار طويل الأمد لأن البيئة الإيرانية مهيأة تماما لهذا النوع من الحروب حيث يتحول كل تقدم عسكري إلى عبء وكل موقع إلى هدف وكل جندي إلى نقطة ضغط سياسية داخل بلاده

في ضوء كل هذه المعطيات يبدو أن أي اندفاع أميركي نحو الحرب البرية مع إيران لن يكون خطوة محسوبة بقدر ما سيكون مقامرة استراتيجية عالية الكلفة والتجارب السابقة لا تزال حاضرة بقوة من فيتنام إلى أفغانستان إلى الصومال حيث تحولت القوة العسكرية الساحقة إلى عبء سياسي وعسكري واستنزاف طويل الأمد لا يمكن السيطرة عليه وإيران اليوم ليست ساحة مفتوحة ولا دولة منهكة بل خصم قوي وعنيد ومستعد لحرب من هذا النوع كما انها تمتلك أدوات الاستنزاف والقدرة على امتصاص الضربة وتحويلها إلى معركة طويلة ومؤلمة وأي قرار بالتصعيد البري قد يمنح امريكا انطباعا أوليا بالحسم لكنه قد يحمل في جوهره احتمالات خسارة أكبر بكثير من أي مكسب محتمل ليس فقط على مستوى الميدان بل على مستوى النفوذ والمصداقية والوجود

بموازاة كل هذا لا يمكن قراءة أي سيناريو لحرب برية في إيران بمعزل عن تداعياته الإقليمية خصوصا وان المواجهة لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية بل ستكون مرشحة للتمدد عبر شبكة واسعة من الحلفاء والفاعلين غير الدوليين في أكثر من ساحة من العراق إلى الخليج إلى البحر الأحمر حيث ستتحول القواعد الأميركية وخطوط الطاقة والممرات البحرية إلى أهداف مفتوحة ما يعني أن الحرب لن تكون جبهة واحدة بل جبهات متعددة ومتزامنة وهو ما يضاعف كلفة القرار العسكري ويجعل من السيطرة على مسار التصعيد أمرا بالغ الصعوبة في بيئة إقليمية مشبعة أصلا بالتوتر وقابلة للاشتعال السريع والانفجار الشامل

حتى في حال نجاح أي عملية برية محدودة في تحقيق أهدافها المباشرة فإن السؤال الأكثر تعقيدا سيبقى ماذا بعدها خاصة وان السيطرة على موقع أو جزيرة أو منشأة لا تعني نهاية المعركة بل بدايتها لأن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب وجودا عسكريا مستمرا وحماية دائمة في بيئة معادية وهو ما يفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة تتآكل فيها المكاسب تدريجيا وتتحول إلى عبء ثقيل على صانع القرار والتجارب السابقة أثبتت أن كلفة البقاء غالبا ما تكون أعلى من كلفة الدخول وأن الانسحاب لاحقا قد يتم تحت ضغط الخسائر وليس وفق حسابات استراتيجية وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول جدوى المغامرة من أساسها

في النهاية وبالتحليل السياسي الدقيق يبدو أن خيار الحرب البرية هو أداة ضغط أكثر منه قرارا جاهزا للتنفيذ وهو ورقة تفاوض يتم رفعها لانتزاع تنازلات لا يمكن تحقيقها بالقصف وحده لكن خطورة هذه الورقة أنها قد تنفلت من يد من يستخدمها لحظة واحدة من سوء التقدير أو حادث ميداني قد تدفع الجميع إلى ما لا يريدونه والامر الذي يجب ان يضعه الامريكيون في الحسبان ان المنطقة بعمومها باتت تقف على حافة معادلة خطيرة لا حرب شاملة فقط وحتى الآن لا سلام ممكن في الأفق والرهان الحقيقي ليس على من يبدأ الحرب البرية بل على من ينجح في تجنبها لأن الدخول إليها سهل نسبيا لكن الخروج منها قد يكون مستحيلا لسنوات طويلة

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]





عدد المشاهدات : (716)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :