د. مهدي مبارك عبد الله
العالم يعيش حالة استغراب وذهول والجميع يتسألون كيف تحول العدوان الامريكي الاسرائيلي من ضربة خاطفة إلى مستنقع مفتوح وهل باتت الحرب على إيران أزمة قيادة وهل اصبح الشرق الأوسط يحترق ويسير نحو شفير الهاوية وترامب لا زال يراهن على الوهم والتمسك بالعناد والتهور وهو عالق في حرب لا يمكن ربحها .
امام كل هذا هل فقد الرئيس الامريكي دونالد ترامب السيطرة على الحرب سؤال لم يعد مجرد مادة للجدل السياسي بل تحول إلى محور رئيسي في قراءة مشهد إقليمي يتجه بسرعة نحو التعقيد والانفجار ففي لحظة بدت فيها واشنطن واثقة من قدرتها على حسم المعركة وفرض معادلات جديدة في الشرق الأوسط جاءت الوقائع الميدانية لتقوض هذه الثقة وتكشف عن فجوة واسعة بين التقدير السياسي النظري والواقع العسكري الميداني .
تحذيرات كريس مورفي الاخيرة " محامي وسياسي وعضو سابق في في مجلس الشيوخ الامريكي لم تكن مجرد موقف حزبي مناكف بل نبوءة عكست قلقا متناميا داخل المؤسسة الأمريكية من مسار حرب خرجت عن نطاق السيطرة التقليدية خاصة وان الإدارة التي افترضت أن الضربات المباغتة قد تردع طهران وجدت نفسها أمام خصم عنيد وقوي يعيد تعريف قواعد الاشتباك مستخدما أدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير من الطائرات المسيّرة إلى الحرب البحرية غير المتكافئة وهو ما جعل مسرح العمليات مفتوحا على احتمالات يصعب احتواؤها او اخذ الاحتياطات حولها.
في قلب هذا التحول يقف مضيق هرمز بوصفه العقدة الاستراتيجية الأكثر حساسية حيث لم يعد مجرد ممر للطاقة بل أصبح أداة ضغط جيوسياسي بيد إيران ومع تعثر القدرة الأمريكية على اعادة فتحه وتأمينه تتجلى أزمة أعمق تتعلق بقدرة القوة العظمى على حماية النظام الاقتصادي العالمي الذي قامت برعايته لعقود طويلة وهو ما يفسر الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والارتباك المتصاعد في الأسواق الدولية.
اللافت ان الأزمة لم تقف عند حدود الجغرافيا البحرية بل امتدت إلى طبيعة الحرب نفسها حيث كشفت المواجهة عن انتقال حاسم نحو حروب الاستنزاف الذكية التي تعتمد على الكثرة والمرونة بدلا من التفوق التكنولوجي التقليدي حيث نجحت إيران في توظيف الطائرات المسيّرة كسلاح استراتيجي ارهق أنظمة الدفاع الجوي المكلفة ووضعها تحت ضغط دائم وهو درس سبق أن ظهر في الحرب في أوكرانيا لكنه لم يُستوعب بالكامل في دوائر القرار الأمريكية.
في موازاة ذلك ومع كل يوم يتسع نطاق الصراع جغرافيا بشكل ينذر بانزلاق المنطقة إلى حرب متعددة الجبهات من جنوب لبنان إلى العراق الة اليمن مرورا باحتمالات التصعيد في البحر الأحمر وسوريا وهو ما يعكس بنية شبكة التحالفات المرتبطة بطهران وقدرتها على تفعيل ساحات مشتركة رغم انها متباعدة وذلك ضمن استراتيجية ضغط متزامن تجعل أي محاولة أمريكية للحسم السريع أمرا شبه مستحيل .
الارتباك الامريكي لا يقتصر على الميدان بل يمتد إلى الخطاب السياسي نفسه حيث بدت تصريحات ترامب متقلبة بين الدعوة إلى تغيير النظام في إيران والتلويح بتوسيع العمليات العسكرية وصولا الة قصف مواقع الطاقة واحتلال المضيق وجزيرة خرك إلى الحديث عن مكاسب اقتصادية من ارتفاع أسعار النفط وهو تناقض يضعف مصداقية الإدارة ويعزز الانطباع بغياب رؤية استراتيجية متماسكة لإدارة الحرب أو إنهائها.
على المستوى الدولي بدأت ارتدادات الحرب تضرب شبكة التحالفات الأمريكية حيث بداء الحلفاء في الخليج وأوروبا وشرق آسيا يطرحون أسئلة جوهرية حول جدوى الاعتماد على واشنطن كضامن أمني خصوصا وان إعادة نشر منظومات الدفاع الجوي وسحب الموارد من مناطق أخرى أرسلت إشارات مقلقة بشأن الأولويات الأمريكية كما أن تجاهل مخاوف الشركاء الإقليميين دفع بعضهم إلى البحث عن بدائل استراتيجية بما في ذلك الانفتاح على قوى اكثر ضمان وحيوية مثل الصين وروسيا .
في هذا السياق تبرز مقارنات تاريخية مع ما جرى عام 1956 في أزمة السويس حيث تجاوزت قوى كبرى حدود قدرتها على التحكم في مسار الأحداث غير أن الفارق اليوم يكمن في غياب قوة بديلة قادرة على ملء الفراغ الأمريكي ما يعني أن العالم قد يتجه نحو حالة من الفوضى متعددة الأقطاب بدلا من انتقال منظم للنفوذ.
داخليا في المجتمع الامريكي الحرب بدأت تفرض كلفتها السياسية والاقتصادية على إدارة ترامب حيث تتصاعد الانتقادات من داخل الولايات المتحدة بشأن ارتفاع أسعار الطاقة وغياب المبررات الواضحة للحرب إضافة إلى التناقض بين وعود الحملة الانتخابية بإنهاء الحروب والانخراط في صراع مفتوح الأفق وهو ما قد ينعكس على التوازنات السياسية الداخلية في المدى المتوسط.
من زاوية تحليلية اخرى لكنها أعمق يمكن القول إن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في فقدان السيطرة التكتيكية بل في سوء تقدير استراتيجي لطبيعة الخصم وقدرته على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج القوة وبدلا من أن تؤدي الضربات إلى إضعاف النظام الإيراني يبدو أنها ساهمت في تعزيز تماسكه الداخلي وإعادة إحياء النزعة الوطنية وزيادة قوته وحضوره ونفوذه الاقليمي وهو ما يطيل أمد الصراع ويزيد كلفته.
التوقعات المحتملة للمرحلة المقبلة تظل مفتوحة على عدة احتمالات أولها استمرار حرب الاستنزاف دون حسم واضح وهو السيناريو الأكثر ترجيحا في ظل توازن الردع غير المتكافئ وثانيها توسع الصراع ليشمل جبهات جديدة بشكل أكثر حدة بما في ذلك انخراط أطراف إقليمية إضافية وثالثها لجوء واشنطن إلى تسوية سياسية تحفظ ماء الوجه لكنها تعكس تراجعا نسبيا في الأهداف المعلنة.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في الانزلاق الكلي نحو مواجهة أوسع قد تشمل تدخلا بريا وهو خيار يحمل مخاطر كارثية ليس فقط على الولايات المتحدة بل على استقرار النظام الدولي ككل وفي المقابل يبقى خيار التهدئة مشروطا بقدرة الأطراف على إعادة تعريف أهدافها وقبول تسويات مؤلمة وهو أمر لا تبدو مؤشراته واضحة حتى الآن .
في الخاتمة ربما لم يعد السؤال الاهم ما إذا كان ترامب قد فقد السيطرة على الحرب بل إلى أي مدى يمكن استعادة هذه السيطرة قبل أن تتحول الأزمة إلى نقطة تحول تاريخية تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط وتفرض واقعا دوليا جديدا عنوانه الأساسي تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود منطق الفوضى المدارة وانتشار العنف المنظم بلا هوادة.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |