من كييف إلى طهران .. كيف تغيّر الحرب حسابات واشنطن؟


رم - يتزامن تصاعد الحرب في إيران مع تباطؤ واضح في وتيرة شحنات السلاح الأمريكي المتجهة إلى أوكرانيا، وقد انعكس ذلك داخل دوائر التخطيط العسكري في واشنطن عبر قرارات مباشرة تتصل بتوجيه صواريخ الاعتراض وأنظمة الدفاع الجوي نحو جبهة الحرب الإيرانية.

وبحسب تقارير أمريكية، فإن الحاجة في جبهة إيران تتركز على قدرات اعتراض الصواريخ والدفاع الجوي، وهي منظومات تعتمد عليها أوكرانيا في حماية بنيتها التحتية العسكرية.

ويفرض تشابُك الجبهتين ترتيبًا عمليًّا للأولويات داخل المؤسسة العسكرية؛ حيث تتحرك الموارد وفق ضغط العمليات اليومية، ويظهر أثر ذلك في تأجيل دفعات صواريخ الاعتراض وتعديل مسارات شحن منظومات الدفاع الجوي، ضمن نمط توزيع يعكس تحوّلًا في إدارة الأولويات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، حيث يجري التعامل مع الالتزامات العسكرية تبعًا لضغط الميدان، مع تراجع فكرة الاستقرار في وتيرة التنفيذ عند تعدد الجبهات.


ضغط الجبهتين وإعادة توجيه الدفاع الجوي
في حين تسجّل الجبهة الشرقية في أوكرانيا ضغطًا روسيًّا متصاعدًا خلال الأيام الأخيرة، مع تركيز العمليات على محاور دونيتسك وخطوط المدن المحصّنة الممتدة نحو سلوفيانسك وبوكروفسك، حيث تعتمد القوات الأوكرانية على انتشار دفاعي كثيف مدعوم بالمسيّرات والضربات الدقيقة لإبطاء التقدم.

وتفرض العمليات المرتبطة بإيران مستوى عاليًا من الجاهزية، حيث تتطلب إدارة التهديدات الصاروخية وتغطية المجال الجوي شبكة واسعة من القدرات الدفاعية.

ووفقًا لِما أوردته وكالة "رويترز"، يتقاطع مسارا الحربين داخل البنتاغون مع توجّه نحو تخصيص جزء من صواريخ الاعتراض التابعة لمنظومة "باتريوت" وبعض أنظمة مواجهة المسيّرات، مثل C-RAM وAvenger، إلى جانب وسائل التشويش الإلكتروني والليزر الدفاعي لصالح الجبهة المرتبطة بإيران، مع تسجيل استهلاك مرتفع لهذه الذخائر نتيجة الهجمات الصاروخية والمسيّرات في الخليج.

وتتحرك القيادة العسكرية في واشنطن عبر قرارات تشغيلية تحدد وجهة شحنات صواريخ الاعتراض وأنظمة الدفاع الجوي ومواعيد تسليمها وفق تطورات الميدان.


إعادة ترتيب الأولويات بين واشنطن وكييف
ويمتد أثر هذه التحركات إلى مستوى العلاقة بين واشنطن وكييف، حيث يأخذ توزيع الموارد بعدًا يتجاوز الاعتبارات التشغيلية ليطال موقع الحرب داخل الحسابات الأمريكية الأوسع؛ فالتباطؤ في تدفق منظومات الدفاع الجوي يأتي كإشارة إلى إعادة ترتيب ضمنية في سلم الأولويات بين الجبهات المفتوحة.

هذا التباطؤ ينعكس على تقدير كييف لموثوقية الدعم طويل الأمد، ويفتح في الوقت نفسه مجالًا لقراءات روسية تلتقط أي تراجع في كثافة الإمداد كهامش يمكن البناء عليه ميدانيًّا، خاصة في ظل الضغط المتصاعد على الجبهات الشرقية، حيث يصبح توازن الردع مرتبطًا باستمرارية التدفق أكثر من ارتباطه بحجم الدعم المعلن.

في موازاة ذلك، يتحرك المسار السياسي داخل واشنطن منذ الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب وفق مستوى أقل من الانخراط المباشر في دعم كييف مع توسيع دور الدول الأوروبية في التمويل والتسليح.


تحويل السلاح من كييف للشرق
ومع اتساع العمليات المرتبطة بإيران، أظهرت تقارير نشرتها مؤخرًا "واشنطن بوست" أن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس إعادة توجيه جزء من الأسلحة والذخائر المخصصة لأوكرانيا نحو الشرق الأوسط نتيجة الضغط على مخزون أنظمة الدفاع الجوي؛ ما انعكس على ترتيب استخدام هذه القدرات داخل الخطط العسكرية المرتبطة بالجبهتين.

على الأرض، تحاول كييف موازنة الضغط عبر استهداف العمق الروسي، حيث نُفّذت ضربات على منشآت صناعية مرتبطة بإنتاج مكونات الصواريخ، من بينها منشأة إلكترونيات عسكرية في بريانسك وموقع صناعي في كورسك يرتبط بسلاسل إمداد مكونات التوجيه، في مسار يهدف إلى تقليص قدرة روسيا على الحفاظ على وتيرة القصف.

يأتي ذلك بالتوازي مع تحركات محدودة على الجبهة الجنوبية في مناطق قريبة من زاباروجيا لتعطيل تحضيرات روسية لهجوم أوسع خلال العام. وتعكس هذه العمليات سعي القيادة الأوكرانية إلى تعويض أي تباطؤ في تدفق السلاح عبر توسيع نطاق العمل الهجومي.


أوروبا تحت ضغط تغيّر الإمداد الأمريكي
في المقابل، يتابع الحلفاء الأوروبيون هذه التطورات مع تصاعد القلق من تأثير تحويل الموارد في الإمدادات المخصصة لأوكرانيا، خاصة في ما يتعلق بالأنظمة الدفاعية التي جرى تمويل جزء كبير منها أوروبيًّا.

هذه التطورات دفعت دولًا مثل ألمانيا وفرنسا وبولندا وفنلندا إلى مراجعة خطط التسلح وزيادة الإنفاق الدفاعي، بالتوازي مع تسريع برامج الإنتاج العسكري داخل أوروبا، وهو ما تناولته "ذا إيكونوميست" في تقارير حديثة حول توسع القدرات التصنيعية الدفاعية ورفع إنتاج الذخائر داخل القارة، إلى جانب توسيع عمليات الشراء المشترك التي تقودها المفوضية الأوروبية بهدف الحفاظ على وتيرة تزويد أوكرانيا بالذخائر وأنظمة الدفاع مع تغيّر وتيرة الإمداد الأمريكي.

وتظهر نتائج هذه القرارات في بطء تسليم منظومات الدفاع الجوي وصواريخ الاعتراض، وهو ما ينعكس على خطط الدفاع الأوكرانية، خاصة في ما يتعلق بحماية المدن والبنية التحتية الحيوية.

كما يرتبط ذلك بتوفر الصواريخ الاعتراضية وقطع الغيار، وهي عناصر تحتاج إلى تدفق مستمر للحفاظ على جاهزية الأنظمة، إذ تتأثر هذه السلسلة اللوجستية مع كل تعديل في وجهة الشحنات، ويؤدي ذلك إلى إعادة ضبط داخل الخطط الأوكرانية، سواء على مستوى الانتشار أو إدارة الموارد المتاحة.

توجيه الدفاعات من كييف إلى الشرق
وبينما يتجه توزيع صواريخ الاعتراض وأنظمة الدفاع الجوي داخل وزارة الدفاع الأمريكية وفق أولويات ترتبط بمسار العمليات في جبهة إيران، وهو ما يعيد ترتيب أولوية الحرب في أوكرانيا داخل سلم الاهتمام العسكري الأمريكي، إذ تتحرك الموارد وفق ضغط الميدان المباشر وليس وفق التزامات سابقة.

ويظهر ذلك في انتقال جزء من القدرات الدفاعية نحو الخليج على حساب وتيرة الإمداد إلى كييف، بما يجعل توازن الدعم خاضعًا لإيقاع الجبهات المفتوحة أكثر من خضوعه للخطط المعلنة.



عدد المشاهدات : (4218)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :