رم - د . مهدي مبارك عبد الله
من بين ثنايا خطاب سياسي مغرور ومشحون بالمبالغة والتسويق الدعائي خرج دونالد ترامب بغبائه المعتاد ليعلن ما وصفه " نصرا كاملا على إيران " مستندا إلى رواية غريبة بعيدة عن واقع الحرب تتعلق بتسليم ايران عشر ناقلات نفط قال إنها كانت هدية تثبت خضوعها وإذعانها واعترافها بالهزيمة غير أن هذا الادعاء يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه السفن وسياقها الحقيقي فهذه الناقلات ليست غنائم حرب بالمعنى العسكري ولا تمثل تحولا استراتيجيا في ميزان القوة بل ترتبط في الغالب بسياقات احتجاز متبادل وتصعيد بحري طويل في الخليج حيث شهدت السنوات الماضية عمليات احتجاز لبعض السفن وردود فعل بين طهران وواشنطن في إطار صراع النفوذ والسيطرة على طرق الطاقة وبالتالي فإن تصوير هذه الواقعة على أنها إعلان استسلام إيراني لا يعدو كونه إعادة صياغة سياسية سخيفة لحدث محدود ضمن حرب مفتوحة لم تحسم بعد
القراءة التحليلية المتأنية للمنطق العسكري والاستراتيجي تكشف أن مفهوم النصر لا يقاس بعدد السفن ولا حتى بالضربات الجوية المؤقتة بل بمدى تحقيق الأهداف الكبرى للحرب وهي في الحالة الأمريكية كانت تتعلق بتقويض القدرات الإيرانية وإنهاء تهديدها وإجبارها على تغيير سلوكها السياسي والعسكري وهو ما لم يتحقق مطلقا حتى الآن والمؤسسات الحكومية الإيرانية لا تزال قائمة والقدرات العسكرية لم تُشل بالكامل بل إن وتيرة الرد الإيراني عكست قدرة مثيرة على الصمود والاستمرار وهو ما يتناقض جذريا مع سردية النصر الكامل التي يروج لها ترامب
واقعيا إذا كان ترامب يحاول تسويق تعليق الضربات على أنه بادرة قوة مشروطة جاءت مترافقة بامتنان إيراني فإن هذا الطرح يكشف في جوهره عن مأزق أكثر مما يعكس تفوقا إذ أن منح مهلة زمنية للخصم في ذروة الحرب لا يفسر عادة كإجراء نابع من السيطرة بل كاستجابة لضغوط ميدانية أو حسابات سياسية داخلية خاصة في ظل ارتفاع كلفة الحرب اقتصاديا وعسكريا على الولايات المتحدة وحلفائها وايضا في ظل تزايد القلق من انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع لا يمكن التحكم بمالاتها
على الأرض لا يبدو أن الولايات المتحدة قد اقتربت من حسم المعركة والتقارير والتحليلات الغربية نفسها تشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة ومضيق هرمز لا زال مغلق ولم يفتح حتى بالقوة الدولية والإدارة الأمريكية باتت تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه أكثر من سعيها لتحقيق نصر حاسم وهو ما يفسر لهجة التعجل في إعلان الفوز وحين يصبح الإعلان بديلا عن الإنجاز يتحول الخطاب السياسي إلى أداة تعويض هزيلة عن واقع ميداني معقد لا يمكن تبسيطه بشعارات وتصريحات وخطابات
في المقابل أثبتت إيران أنها قادرة على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم قدراتها بسرعة مستفيدة من خبرة طويلة في إدارة الحروب غير المتكافئة حيث اعتمدت على مزيج من الصواريخ والمسيرات وأدوات الردع الإقليمي التي جعلت كلفة المواجهة مرتفعة على خصومها كما أن استمرار استهداف العمق المرتبط بإسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة يعكس أن ميزان الردع لم ينكسر بل ربما أعيد تشكيله بصورة أكثر تعقيدا وهو ما يقوض فكرة السيطرة المطلقة التي يحاول ترامب ترسيخها
سياسيا يبدو للجميع ان ترامب بات عالقا في شباك مفارقة حادة فهو من جهة يريد إنهاء الحرب لتخفيف الضغط الداخلي واحتواء التداعيات الاقتصادية ومن جهة أخرى لا يستطيع التراجع دون إعلان نصر واضح حتى لو كان هذا النصر رمزيا أو متخيلا وهذا ما يدفعه إلى تضخيم أحداث جزئية بسيطة مثل قضية الناقلات وتحويلها إلى إنجاز استراتيجي في محاولة لإقناع الداخل الأمريكي والعالم بأن الأمور تسير وفق خطة محكمة بينما الواقع يشير إلى غياب اي استراتيجية خروج واضحة من الستنقع
القلق بين الحلفاء يتزايد يوميا من تداعيات هذه الحرب التي لم تحقق أهدافها بعد حيث تجد معظم دول المنطقة نفسها أمام مشهد مفتوح على احتمالات التصعيد دون ضمانات حقيقية للأمن أو الاستقرار وهو ما يعكس فشل المقاربة التي انطلقت منها الحرب منذ بدايتها حين تم افتراض أن الضغط العسكري وحده كفيل بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وارضاخ ايران وفرض السيطرة عليها
عند تفكيك وتفنيد خطاب النصر الذي قدمه دونالد ترامب لا بد من التوقف عند البعد الدعائي في إدارة الحروب الحديثة حيث لم يعد الصراع يدار فقط في الميدان بل في الوعي العام أيضا إذ تسعى القيادات السياسية إلى صناعة صورة ذهنية بديلة تعوض الإخفاقات الميدانية من خلال تضخيم إنجازات جزئية وتقديمها كتحولات استراتيجية كبرى وهو ما ينطبق على رواية السفن التي جرى تسويقها كدليل خضوع بينما هي في حقيقتها لا تغير في ميزان القوى ولا تمس جوهر الصراع القائم مع إيران التي ما زالت تحتفظ بقدرتها على المبادرة والرد وهو ما يجعل خطاب النصر أقرب إلى محاولة للسيطرة على السردية أكثر من كونه انعكاسا لواقع ميداني محسوم
الرؤية الأوسع لهذه الحرب الدائرة منذ 29 يوما تكشف حدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة خصم يعتمد على استراتيجيات مرنة وطويلة النفس حيث لم تنجح الضربات المكثفة في فرض إرادة الولايات المتحدة أو إعادة تشكيل التوازنات كما كان متوقعا بل على العكس أدت إلى تعقيد المشهد الإقليمي ورفع كلفة المواجهة على الجميع بما في ذلك إسرائيل التي وجدت نفسها تحت ضغط مستمر وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول جدوى الاستمرار في حرب بلا أفق واضح للنهاية وهو ما يؤكد جليا أن حديث ترامب عن نصر حاسم في ظل هذه المعطيات لا يعدو كونه محاولة لتأجيل الاعتراف بحقيقة أكثر قسوة وهي أن ميزان الصراع لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة لا يمكن حسمها بخطاب سياسي مهما بلغ من الحدة والثقة
امام كل ذلك لا يمكن اعتبار ما يحدث على الارض نصرا بالمعنى العسكري أو السياسي بل هو أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف الهزيمة بحيث تبدو مقبولة أو حتى قابلة للتسويق سيما وان النصر الحقيقي يتطلب حسم الصراع أو فرض شروط جديدة على الخصم وهو ما لم يتحقق حتى الآن بل إن المؤشرات كافة تدل على أن الحرب مستمرة وأن كلفتها تتصاعد ونتائجها النهائية لا تزال بعيدة عن الحسم والنصر وان ايران تتقدم بشدة في الرد وتنظيم المواجهة ودقة الاستهدافات وانها خرجت من قواعد فرضية العين بالعين وانها باتت مستعدة لضرب أي هدف تراه ضروري ومناسب
اخيرا : المشهد برمته يبين ان ترامب يقف أمام معضلة وجودية سياسية واستراتيجية فهو لا يستطيع فرض إملاءاته على طهران التي رفضت شروطه بما فيها النقاط الخمس عشرة التي حاول تمريرها بنزعة استعلائية ولا هو قادر على الانسحاب دون ثمن سياسي باهظ وقد وجد نفسه عالقا فوق شجرة الحرب التي صعد إليها بسهولة لكنه اليوم لا يعرف كيف ينزل منها فإما أن يواصل التصعيد نحو مجهول أكثر خطورة أو أن يتراجع تحت عنوان تسوية لا تشبه خطاب النصر الذي يدعيه ويكرره وفي كلا الحالتين يبقى الواقع أكثر صلابة من الرواية وتبقى الحقيقة أن إنهاء الحروب أصعب بكثير من إشعالها وأن ما يسميه ترامب نصرا ليس سوى محاولة متأخرة للهروب من اعتراف مؤلم بأن هذه الحرب لم تنته بعد وأن نتائجها لا تسير كما يشتهي البيت الأبيض وزمرته وهي اقرب الى بدايات الهزيمة المؤلمة اكثر منها الى النصر الكامل والحاسم الذي يروج له ترامبولين
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]