بين السيادة والشعارات… لماذا يخطئ البعض في فهم موقف الأردن؟


رم -
في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، عاد الجدل ليطفو على السطح حول موقف الأردن من اعتراض الصواريخ التي تعبر أجواءه باتجاه إسرائيل. وبين مؤيد ومعارض، يبرز سؤال جوهري:
هل المطلوب من الأردن أن يقف متفرجًا على صواريخ تخترق سماءه، أم أن يحمي سيادته وأمن شعبه؟

الحقيقة التي يغفلها كثيرون، أو يتجاهلونها عمدًا، هي أن سيادة الدولة ليست خيارًا سياسيًا، بل واجبًا وجوديًا.
فأي جسم عسكري يعبر أجواء دولة دون إذن، يُعد تهديدًا مباشرًا، بغض النظر عن وجهته أو الجهة التي أطلقته. وعليه، فإن اعتراض هذه الصواريخ ليس انحيازًا لطرف ضد آخر، بل هو قرار سيادي بحت، يهدف إلى حماية الأرض والإنسان.

الأردن، بحكم موقعه الجغرافي الحساس، لا يملك رفاهية التجاهل أو المجازفة. فترك الصواريخ تمر عبر أجوائه يعني فتح الباب أمام احتمالات خطيرة، أقلها سقوطها داخل أراضيه عن طريق الخطأ، وأخطرها أن تتحول سماؤه إلى ساحة ردود فعل عسكرية متبادلة، ما يهدد أمنه واستقراره بشكل مباشر.

ورغم وضوح هذه المعادلة، يصرّ البعض على قراءة الموقف من زاوية ضيقة، قائمة على العاطفة أو الاصطفاف الأيديولوجي، فيختزلون المشهد في معادلة سطحية: “مع أو ضد”.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية… فالدول لا تُدار بالشعارات، بل بحسابات دقيقة تحكمها المصلحة الوطنية أولًا.

إن ربط أي إجراء دفاعي أردني بموقف من القضية الفلسطينية هو تبسيط مخلّ، بل وإجحاف بحق دولة تحملت عبر عقود عبئًا سياسيًا وإنسانيًا كبيرًا تجاه هذه القضية.
لكن الدفاع عن فلسطين لا يعني أبدًا التخلي عن حماية الوطن، ولا يعني السماح بتحويل أراضيه إلى ساحة صراع بالوكالة.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل حالة التناقض الصارخ في الخطاب السائد في المنطقة، حيث ترفع بعض الجهات شعارات “الدفاع عن فلسطين”، بينما يغيب فعلها الحقيقي عند اللحظات المفصلية.
ففي أوقات المحن الكبرى، كما حدث في غزة، حين دُمّرت البيوت والمستشفيات وقُتل المدنيون، لم نشهد ذلك “الدفاع” الذي طالما تم الترويج له، بل بقيت الشعارات في إطارها الإعلامي، دون ترجمة فعلية على الأرض.

وهنا، يصبح من المشروع التساؤل:
هل المطلوب من الدول أن تتحمل تبعات صراعات لا تتحكم بها، بينما يكتفي الآخرون برفع الشعارات؟

إن أخطر ما في هذا الجدل ليس الاختلاف في الرأي، بل السطحية في الطرح، وتحويل قضايا سيادية معقدة إلى اتهامات جاهزة.
فالوطن ليس ساحة اختبار للنوايا، ولا منصة لإرضاء الخطابات، بل كيان يجب حمايته بكل الوسائل الممكنة.

في النهاية، قد يختلف الناس في مواقفهم، لكن تبقى حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:
حماية السيادة ليست خيارًا… بل واجب.
وأي دولة تتخلى عن هذا الواجب، تفتح الباب أمام الفوضى، وتفقد حقها في البقاء.
المنتج التلفزيوني والسينمائي
عصام حجاوي



عدد المشاهدات : (4125)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :